ولا يعارض منهم معارض ، ولا ينكر منهم منكر ، حتّى أنّه قد جرى مجرى الأعياد والجمع في الظهور والانتشار .
فلو كان تعيين الشهور - التي تتعلّق الأحكام بتعيينها من صوم وحجّ وانقضاء عدّة ووجوب دين ، وغير ذلك من الأحكام الشرعيّة - إنّما يثبت بالعدد لا برؤية الأهلّة ، لكان جميع ما حكينا من فعل المسلمين من الفزع إلى الرؤية عبثا وغلطا وتكلّفا بما لا فائدة فيه ، والعدول عمّا فيه الفائدة .
[ الاستدلال بالآيات القرآنية على الرؤية ]
دليل آخر : وهو قوله تعالى :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ
« 1 » . وهذا نصّ صريح - كما ترى - بأنّ الأهلّة هي المعتبرة في المواقيت ، والدالّة على الشهور ؛ لأنّه علّق بها التوقيت .
فلو كان العدد هو الذي يعرف به التوقيت ، لخصّ العدد بالتوقيت دون رؤية الأهلّة ؛ إذ لا معتبر برؤية الأهلّة في المواقيت على قول أصحاب العدد .
دليل آخر : وهو قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
« 2 » . وهذا نصّ صريح - كما ترى - على أنّ معرفة السنين والحساب مرجوع فيها إلى القمر ونقصانه وزيادته ، وأنّه لا حظّ للعدد الذي يعتمده أصحاب العدد في علم السنين والشهور . وهذا أوضح من أن تدخل على عاقل فيه شبهة .
[ الاستدلال بالأخبار الواردة على الرؤية ]
دليل آخر : وهو الخبر المرويّ عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من قوله : « صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فإن غمّ عليكم فعدّوا ثلاثين » . « 3 » وهذا الخبر وإن كان من طريق الآحاد - وممّا لا يعلم كما علم طريقه من أخبار العلم - فقد أجمعت الأمّة على قبوله ، وإن اختلفوا في تأويله ، فما ردّه أحد
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 189 .
( 2 ) . يونس ( 10 ) : 5 .
( 3 ) . سنن البيهقي ( السنن الكبرى ) ، ج 4 ، ص 206 .