وذلك لأنّ دورة القمر الشهرية ( 8 ، 2 ثانية + 44 دقيقة + 12 ساعة + 29 يوما ) فتكون السنة القمريّة أنقص من السنة الشمسيّة .
وأوّل من عمل النسيء نعيم بن ثعلبة الكناني .
وكان يفعل النسيء بعده رجل كبير من كنانة يقال له : « القلمّس » . يقول في أيّام منى حيث يجتمع الحجيج : أنا الذي لا يردّ لي قضاء ، فيقولون : صدقت ، فأخّر عنّا حرمة المحرّم ، واجعلها في صفر ؛ فيحلّ لهم المحرّم ، ويحرّم عليهم صفرا ، ثمّ يجيء العام المقبل ، فيقول مثل مقالته : إنّا قد حرّمنا صفر وأخّرنا المحرّم . ثمّ صاروا ينسئون غير المحرّم ، فتتغيّر حقائق الشهور كلّها ، حتّى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم ، وحرموا أربعة أشهر من شهور العام ؛ اكتفاء بمجرّد العدد .
لذا ذمّ الله تعالى تصرّفهم وتلاعبهم بالشهور القمريّة ، فقال :
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ
أي إنّ تأخير حرمة شهر إلى آخر ، وقلب وضع التحريم والتحليل زيادة في أصل كفرهم القائم على الشرك وعبادة الأصنام ، وتغيير لملّة إبراهيم بسوء التأويل ؛ ولأنّ الكافر كلّما أحدث معصية ازداد كفرا .
يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا
أي يوقع النسيء الذين كفروا في ضلال زيادة على ضلالهم القديم . وعلى قراءة « يضلّ » المبنيّ للمعلوم معناه : يضلّهم الله ، فيحلّون الشهر المؤخّر عاما ، ويحرّمونه عاما .
لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ
أي ليوافقوا في مجرّد العدد الأربعة الأشهر الحرم .
فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ
أي فيحلّوا بهذه المواطأة ما حرّمه الله تعالى من القتال ، بتأخير هذا الشهر الحرام . . . .
فقه الحياة أو الأحكام : دلّت الآيتان على الأحكام التالية :
1 . إنّ عدد الشهور القمريّة في علم الله تعالى وفي حكمه وإيجابه في اللوح المحفوظ يوم خلق السماوات والأرض اثنا عشر شهرا ، فإنّه تعالى وضع هذه الشهور وسمّاها بأسمائها على ما رتّبها عليه يوم خلق السماوات والأرض ، على وفق سنته الإلهيّة ونظامه البديع المتقن ، وأنزل ذلك على أنبيائه في كتبه المنزلة . وحكمها باق على ما كانت عليه ، لم يزلها عن ترتيبها تغيير المشركين لأسمائها . والمقصود من ذلك اتّباع أمر الله تعالى ، ورفض ما كان عليه أهل الجاهليّة