واعلم أنّ حرمة الأزمان والبقاع إنّما تتلقّى عن الوحي الإلهي ؛ لأنّ الله الذي خلق هذا العالم هو الذي يسنّ له نظامه ، فبذلك تستقرّ حرمة كلّ ذي حرمة في نفوس جميع الناس ؛ إذ ليس في ذلك عمل لبعضهم دون بعض ، فإذا أدخل على ما جعله الله من ذلك تغيير تقشّعت الحرمة من النفوس فلا يرضى فريق بما وضعه غيره من الفرق ، فلذلك كان النسيء زيادة في الكفر ؛ لأنّه من الأوضاع التي اصطلح عليها الناس ، كما اصطلحوا على عبادة الأصنام بتلقين عمرو بن لحيّ .
وقد أوحى الله لرسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّ العام الذي يحجّ فيه يصادف يوم الحجّ منه يوم تسعة من ذي الحجّة ، على الحساب الذي يتسلسل من يوم خلق الله السماوات والأرض ، وأنّ فيه يندحض أثر النسيء ؛ ولذلك قال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في خطبة حجّة الوداع : « إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض » . قالوا : فصادفت حجّة أبي بكر سنة تسع أنّها وقعت في شهر ذي القعدة بحساب النسيء ، فجاءت حجّة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في شهر ذي الحجّة في الحساب الذي جعله الله يوم خلق السماوات والأرض « 1 » .
3 . التفسير المنير ، للزحيلي ( المعاصر ) :
إِنَّمَا النَّسِيءُ
أخرج ابن جرير الطبري عن أبي مالك ، قال : كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر شهرا ، فيجعلون المحرّم صفر ، فيستحلّون فيه المحرّمات ، فأنزل الله :
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ
.
المناسبة : الآيات عود للكلام عن المشركين في تعداد قبائحهم ، وهو إقدامهم على السعي في تغييرهم أحكام الله ، وذلك مثل فعل اليهود والنصارى الذين غيّروا حكم الله ، فكان الكلام مناسبا عن حكم قتالهم ومعاملتهم ، ثمّ العود إلى أحكام المشركين ، فصار هناك تشابه بين المشركين وبين اليهود والنصارى في تعاطي أسباب القتال ، وفي إيجاب القتال .
التفسير والبيان : يخبر الله تعالى عن أشهر السنة ، فيقول : إنّ عدّة الشهور في علمه تعالى وحكمه ، وفيما كتبه الله وأوجب الأخذ به ، وأثبته في نظام دورة القمر ، وفي اليوم الذي خلق الله فيه السماوات والأرض اثنا عشر شهرا ، على هذا النحو المألوف اليوم .
هامش
( 1 ) . التحرير والتنوير ، ج 10 ، ص 180 - 195 .