وقال السهيلي في الروض الأنف :
إنّ تأخير بعض الشهور بعد مدّة لقصد تأخير الحجّ عن وقته القمري ، تحرّيا منهم للسنة الشمسيّة ، فكانوا يؤخّرونه في كلّ عام أحد عشر يوما أو أكثر قليلا ، حتّى يعود الدور إلى ثلاث وثلاثين سنة ، فيعود إلى وقته ، ونسب إلى شيخه أبي بكر بن العربي أنّ ذلك اعتبار منهم بالشهور العجمية .
ولعلّه تبع في هذا القول إياس بن معاوية الذي ذكره القرطبي ، وأحسب أنّه اشتباه .
وكان النسيء بأيدي بني فقيم « 1 » من كنانة ، وأوّل من نسأ الشهور هو حذيفة بن عبد بن فقيم .
وتقريب زمن ابتداء العمل بالنسيء أنّه في أواخر القرن الثالث قبل الهجرة ، أي في حدود سنة عشرين ومائتين قبل الهجرة .
وصيغة القصر في قوله :
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ
تقتضي أنّه لا يعدو كونه من أثر الكفر لمحبّة الاعتداء والغارات فهو قصر حقيقي ، ويلزم من كونه زيادة في الكفر أنّ الذين وضعوه ليسوا إلّا كافرين ، وما هم بمصلحين ، وما الذين تابعوهم إلّا كافرون كذلك ، وما هم بمتّقين .
ووجه كونه كفرا أنّهم يعلمون أنّ الله شرع لهم الحجّ ووقّته بشهر من الشهور القمريّة المعدودة المسمّاة بأسماء تميّزها عن الاختلاط ، فلمّا وضعوا النسيء قد علموا أنّهم يجعلون بعض الشهور في غير موقعه ، ويسمّونه بغير اسمه ، ويصادفون إيقاع الحجّ في غير الشهر المعيّن له ، أعني شهر ذي الحجّة ؛ ولذلك سمّوه النسيء اسما مشتقّا من مادة النّساء وهو التأخير ، فهم قد اعترفوا بأنّه تأخير شيء عن وقته ، وهم في ذلك مستخفّون بشرع الله تعالى ، ومخالفون لما وقّت لهم عن تعمّد مثبتين الحلّ لشهر حرام والحرمة لشهر غير حرام ، وذلك جرأة على دين الله واستخفاف به ، فلذلك يشبه جعلهم للّه شركاء ، فكما جعلوا للّه شركاء في الإلهيّة جعلوا من أنفسهم شركاء للّه في التشريع يخالفونه فيما شرعه ، فهو بهذه الاعتبار كالكفر ، فلا دلالة في الآية على أنّ الأعمال السيّئة توجب كفر فاعلها ، ولكن كفر هؤلاء أوجب عملهم الباطل .
وحرف « في » المفيد الظرفية متعلّق ب
زِيادَةٌ
؛ لأنّ الزيادة تتعدّى ب « في » :
يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ
فالزيادة في الأجسام تقتضي حلول تلك الزيادة في الجسم المشابه للظرف ،
هامش
( 1 ) . فقيم - بصيغة التصغير - اسم جدّ .