وهذا نوع تصرّف في الحكم الإلهي بعد كفرهم بالله باتّخاذ الأوثان شركاء له تعالى وتقدّس ، ولذا عدّه الله سبحانه في كلامه
زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ
.
وقد ذكر الله سبحانه من الحكم الخاصّ بحرمة الأشهر الحرم النهي عن ظلم الأنفس ، حيث قال :
فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ
وأظهر مصاديقه القتال ، كما أنّه المصداق الوحيد الذي استفتوا فيه النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فحكاه الله سبحانه بقوله :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ
« 1 » الآية ، وكذا ما في معناه من قوله :
لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ
« 2 » وقوله :
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ
« 3 » .
وكذلك الأثر الظاهر من حرمة البيت أو الحرم هو جعل الأمن فيه ، كما قال :
وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً
« 4 » وقال :
أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً
« 5 » .
فالظاهر أنّ النسيء الذي تذكره الآية عنهم إنّما هو تأخير حرمة الشهر الحرام . للتوسّل بذلك إلى قتال فيه ، لا لتأخير الحجّ الذي هو عبادة دينيّة مختصّة ببعضها .
وهذا كلّه يؤيّد ما ذكروه : أنّ العرب كانت تحرّم هذه الأشهر الحرم ، وكان ذلك ممّا تمسّكت به من ملّة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، وهم كانوا أصحاب غارات وحروب ، فربّما كان يشقّ عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغزون فيها ، فكانوا يؤخّرون تحريم المحرّم إلى صفر فيحرّمونه ويستحلّون المحرّم ، فيمكثون بذلك زمانا ، ثمّ يعود التحريم إلى المحرّم ، ولا يفعلون ذلك - أي إنساء حرمة المحرّم إلى صفر - إلّا في ذي الحجّة .
وأمّا ما ذكره بعضهم أنّ النسيء هو ما كانوا يؤخّرون الحجّ من شهر إلى شهر ، فممّا لا ينطبق على لفظ الآية البتّة . وسيجيء تفصيل الكلام فيه في البحث الروائي الآتي إن شاء الله . ولنرجع إلى ما كنّا فيه .
فقوله تعالى :
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ
أي تأخير الحرمة التي شرعها الله لهذه الأشهر الحرم من شهر منها إلى شهر غير حرام زيادة في الكفر ؛ لأنّه تصرّف في حكم الله
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 217 .
( 2 ) . المائدة ( 5 ) : 2 .
( 3 ) . المائدة ( 5 ) : 97 .
( 4 ) . آل عمران ( 3 ) : 97 .
( 5 ) . القصص ( 28 ) : 57 .