عوف الكناني مطاعا في الجاهليّة ، وكان يقوم على جمل في الموسم فيقول بأعلى صوته : إنّ آلهتكم قد أحلّت لكم المحرّم فأحلّوه ، ثمّ يقوم في القابل فيقول : إنّ آلهتكم قد حرمت عليكم المحرّم فحرّموه ، جعل النسيء زيادة في الكفر ؛ لأنّ الكافر كلّما أحدث معصية ازداد كفرا ، فزادتهم رجسا إلى رجسهم . . . والنسيء مصدر نسأه إذا أخّره ، يقال : نسأه نسأ ، ونساء ، ونسيئا ، كقولك : مسّه مسّا ومساسا ومسيسا ، وقرئ بهنّ جميعا ، وقرئ : « النسي » بوزن النديّ ، و « النسي » بوزن النهي ، وهما تخفيف النسيء والنسء « 1 » .
2 . التحرير والتنوير ، لابن عاشور ( م 1393 ) :
والمراد بالشهور : الشهور القمريّة بقرينة المقام ؛ لأنّها المعروفة عند العرب وعند أغلب الأمم ، وهي أقدم أشهر التوقيت في البشر وأضبطها ؛ لأنّ اختلاف أحوال القمر مساعد على اتّخاذ تلك الأحوال مواقيت للمواعيد والآجال ، وتاريخ الحوادث الماضية ، بمجرّدة المشاهدة ، فإنّ القمر كرة تابعة لنظام الأرض . قال تعالى :
لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ *
ولأنّ الاستناد إلى الأحوال السماوية أضبط وأبعد عن الخطأ ؛ لأنّها لا تتناولها أيدي الناس بالتغيير والتبديل ، وما حدثت الأشهر الشمسيّة وسنّتها إلّا بعد ظهور علم الفلك والميقات ، فانتفع الناس بنظام سير الشمس في ضبط الفصول الأربعة ، وجعلوها حسابا لتوقيت الأعمال التي لا يصلح لها إلّا بعض الفصول ، مثل الحرث والحصاد وأحوال الماشية ، وقد كان الحساب الشمسي معروفا عند القبط والكلدانيين ، وجاءت التوراة بتعيين الأوقات القمريّة للأشهر ، وتعيين الشمسيّة للأعياد ، ومعلوم أنّ الأعياد في الدرجة الثانية من أحوال البشر ؛ لأنّها راجعة إلى التحسين ، فأمّا ضبط الأشهر فيرجع إلى الحاجي . فألهم الله البشر ، فيما ألهمهم من تأسيس أصول حضارتهم ، أن اتّخذوا نظاما لتوقيت أعمالهم المحتاجة للتوقيت ، وأن جعلوه مستندا إلى مشاهدات بيّنة واضحة لسائر الناس ، لا تنحجب عنهم إلّا قليلا في قليل ، ثمّ لا تلبث أن تلوح لهم واضحة باهرة ، وألهمهم أن اهتدوا إلى ظواهر ممّا خلق الله له نظاما مطّردا . وذلك كواكب السماء ومنازلها ، كما قال في بيان حكمة ذلك :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ
،
هامش
( 1 ) . الكشّاف ، ج 2 ، ص 270 .