وأن جعلوا توقيتهم اليومي مستندا إلى ظهور نور الشمس ومغيبه عنهم ؛ لأنّهم وجدوه على نظام لا يتغيّر ، ولاشتراك الناس في مشاهدة ذلك ، وبذلك تنظم اليوم والليلة ، وجعلوا توقيتهم الشهري بابتداء ظهور أوّل أجزاء القمر وهو المسمّى هلالا إلى انتهاء محاقه ، فإذا عاد إلى مثل الظهور الأوّل فذلك ابتداء شهر آخر ، وجعلوا مراتب أعداد أجزاء المدّة المسمّاة بالشهر مرتّبة بتزايد ضوء النصف المضيء من القمر كلّ ليلة ، وبإعانة منازل ظهور القمر كلّ ليلة حذو شكل من النجوم سمّوه بالمنازل . وقد وجدوا ذلك على نظام مطّرد ، ثمّ ألهمهم فرقبوا المدّة التي عاد فيها الثمر أو الكلأ الذي ابتدءوا في مثله العدّ ، وهي أوقات الفصول الأربعة ، فوجدوها قد احتوت على اثني عشر شهرا فسمّوا تلك المدّة عاما ، فكانت الأشهر لذلك اثني عشر شهرا ؛ لأنّ ما زاد على ذلك يعود إلى مثل الوقت الذي ابتدءوا فيه الحساب أوّل مرّة ، ودعوها بأسماء لتمييز بعضها عن بعض ؛ دفعا للغلط ، وجعلوا لابتداء السنين بالحوادث على حسب اشتهارها عندهم ، إن أرادوا ذلك ، وذلك واسع عليهم ، فلمّا أراد الله أن يجعل للناس عبادات ومواسم وأعيادا دورية تكون مرّة في كلّ سنة ، أمرهم أن يجعلوا العبادة في الوقت المماثل لوقت أختها ، ففرض على إبراهيم وبنيه حجّ البيت كلّ سنة في الشهر الثاني عشر ، وجعل لهم زمنا محترما بينهم يأمنون فيه على نفوسهم وأموالهم ، ويستطيعون فيه السفر البعيد وهي الأشهر الحرم ، فلمّا حصل ذلك كلّه بمجموع تكوين الله تعالى للكواكب ، وإيداعه الإلهام بالتفطّن لحكمتها ، والتمكّن من ضبط مطّرد أحوالها ، وتعيينه ما عيّن من العبادات والأعمال بمواقيتها ، كان ذلك كلّه مرادا عنده ؛ فلذلك قال :
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
.
فمعنى قوله :
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً
أنّها كذلك في النظام الذي وضع عليه هذه الأرض التي جعلها مقرّ البشر باعتبار تمايز كلّ واحد فيها عن الآخر ، فإذا تجاوزت الاثني عشر صار ما زاد على الاثني عشر مماثلا لنظير له في وقت حلوله ، فاعتبر شيئا مكرّرا .
و
عِنْدَ اللَّهِ
معناه في حكمه وتقديره ، فالعنديّة مجاز في الاعتبار والاعتداد ، وهو ظرف معمول ل « عدّة » أو حال من « عدّة » . و
فِي كِتابِ اللَّهِ
صفة ل
اثْنا عَشَرَ شَهْراً
.
ومعنى
فِي كِتابِ اللَّهِ
في تقديره ، وهو التقدير الذي به وجدت المقدورات ، أعني تعلّق القدرة بها تعلّقا تنجيزيا ، كقوله
كِتاباً مُؤَجَّلًا
أي قدرا محدّدا ، فكتاب هنا مصدر .