حرام ، وهو الممنوع منه ، والقيّم : هو القائم بمصلحة الناس ، المهيمن على إدارة أمور حياتهم وحفظ شؤونها .
وقوله :
مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ
هي الأشهر الأربعة : ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم ورجب بالنقل القطعي ، والكلمة كلمة تشريع بدليل قوله :
ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
إلى آخره .
وإنّما جعل الله هذه الأشهر الأربعة حرما ليكفّ الناس فيها عن القتال وينبسط عليهم بساط الأمن ، ويأخذوا فيها الأهبة للسعادة ، ويرجعوا إلى ربّهم بالطاعات والقربات .
وكانت حرمتها من شريعة إبراهيم ، وكانت العرب تحترمها حتّى في الجاهليّة حينما كانوا يعبدون الأوثان غير أنّهم ربما كانوا يحوّلون الحرمة من شهر إلى شهر سنة أو أزيد منها بالنسيء الذي تتعرّض له الآية التالية .
وقوله :
ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
الإشارة إلى حرمة الأربعة المذكورة ، والدين كما تطلق على مجموع ما أنزله الله على أنبيائه تطلق على بعضها ، فالمعنى أنّ تحريم الأربعة من الشهور القمريّة هو الدين الذي يقوم بمصالح العباد ، كما يشير إليه في قوله :
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ
« 1 » وقد تقدّم الكلام فيه في الجزء السادس من الكتاب .
قوله تعالى :
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ
إلى آخر الآية ، يقال : نسأ الشيء ينسؤه نسأ ومنسأة ونسيئا إذا أخّره تأخيرا ، وقد يطلق النسيء على الشهر الذي أخّر تحريمه على ما كانت العرب تفعله في الجاهليّة ، فإنّهم ربما كانوا يؤخّرون حرمة بعض الأشهر الحرم إلى غيره ، وأمّا أنّه كيف كان ذلك ؟ فقد اختلف فيه كلام المفسّرين كأهل التاريخ .
والذي يظهر من خلال الكلام المسرود في الآية أنّه كانت لهم فيما بينهم سنّة جاهليّة في أمر الأشهر الحرم ، وهي المسمّاة بالنسيء ، وهو يدلّ بلفظه على تأخير الحرمة من شهر حرام إلى بعض الشهور غير المحرّمة الذي بعده ، وأنّهم إنّما كانوا يؤخّرون الحرمة ، ولا يبطلونها برفعها من أصلها ؛ لإرادتهم بذلك أن يتحفّظوا على سنّة قومية ورثوها عن أسلافهم عن إبراهيم عليه السلام .
فكانوا لا يتركون أصل التحريم لغى وإنّما يؤخّرونه إلى غير الشهر سنة أو أزيد ؛ ليواطئوا عدّة ما حرّم الله ، وهي الأربعة ، ثمّ يعودون ويعيدون الحرمة إلى مكانها الأوّل .
هامش
( 1 ) . المائدة ( 5 ) : 97 .