وفي قوله تعالى :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ
وإن لم يشرح أنّ السؤال في أمرها عمّا ذا ؟
عن حقيقة القمر وسبب تشكّلاتها المختلفة في صور الهلال والقمر والبدر ؟ كما قيل ، أو عن حقيقة الهلال فقط ؟ الظاهر بعد المحاق في أوّل الشهر القمري كما ذكره بعضه ، أو عن غير ذلك .
ولكن إتيان الهلال في السؤال بصورة الجمع حيث قيل :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ
دليل على أنّ السؤال لم يكن عن ماهيّة القمر واختلاف تشكّلاته ؛ إذ لو كان كذلك لكان الأنسب أن يقال : « يسألونك عن القمر » لا عن الأهلّة ، وأيضا لو كان السؤال عن حقيقة الهلال وسبب تشكّله الخاصّ كان الأنسب أن يقال : « يسألونك عن الهلال » ؛ إذ لا غرض حينئذ يتعلّق بالجمع ، ففي إتيان الأهلّة بصيغة الجمع دلالة على أنّ السؤال إنّما كان عن السبب أو الفائدة في ظهور القمر هلالا بعد هلال ورسمه الشهور القمريّة ، وعبّر عن ذلك بالأهلّة ؛ لأنّها هي المحقّقة لذلك ، فأجيب بالفائدة .
ويستفاد ذلك من خصوص الجواب :
قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ
فإنّ المواقيت وهي الأزمان المضروبة للأفعال ، والأعمال إنّما هي الشهور دون الأهلّة التي ليست بأزمنة ، وإنّما هي أشكال وصور في القمر .
وبالجملة ، قد تحصّل أنّ الغرض في السؤال إنّما كان متعلّقا بشأن الشهور القمريّة من حيث السبب أو الفائدة ، فأجيب ببيان الفائدة ، وأنّها أزمان وأوقات مضروبة للناس في أمور معاشهم ومعادهم ، فإنّ الإنسان لا بدّ له من حيث الخلقة من أن يقدّر أفعاله وأعماله التي جميعها من سنخ الحركة بالزمان ، ولازم ذلك أن يتقطّع الزمان الممتدّ الذي ينطبق عليه أمورهم قطعا صغارا وكبارا ، مثل الليل والنهار واليوم والشهر والفصول والسنين بالعناية الإلهيّة التي تدبّر أمور خلقه ، وتهديهم إلى صلاح حياتهم . والتقطيع الظاهر - الذي يستفيد منه العالم والجاهل والبدوي والحضري ، ويسهل حفظه على الجميع - إنّما هو تقطيع الأيّام بالشهور القمريّة التي يدركه كلّ صحيح الإدراك مستقيم الحواسّ من الناس ، دون الشهور الشمسيّة التي ما تنبّه لشأنها ولم ينل دقيق حسابها الإنسان إلّا بعد قرون وأحقاب من بدء حياته في الأرض ، وهو مع ذلك ليس في وسع جميع الناس دائما .
فالشهور القمريّة أوقات مضروبة معيّنة للناس في أمور دينهم ودنياهم وللحجّ خاصّة ،