جميع الشهر إلّا بعد مضيّه كلّه . ويستحيل أن يكون مضيّه شرطا للزوم صومه كلّه ؛ لأنّ الماضي من الوقت يستحيل فعل الصوم فيه ، فعلم أنّه لم يرد شهود جميعه ، فتقدير الكلام عنده : « فمن شهد منكم بعض الشهر فليصم ما لم يشهده منه » . وهذا بعيد جدّا . . . .
ومالك يقول :
شَهِدَ
أي أدرك ، كما يقال : شهد زمان النبيّ عليه السلام أي أدرك ، والمجنون قد أدرك ذلك الزمان ، فلزمه الصوم لزوما في الذمّة . . . « 1 » .
4 . الكشّاف ، للزمخشري ( م 538 ) :
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ
: فمن كان شاهدا ، أي : حاضرا مقيما غير مسافر في الشهر ، فليصم فيه ولا يفطر ، و « الشهر » منصوب على الظرف وكذلك « الهاء » في
فَلْيَصُمْهُ
، ولا يكون مفعولا به كقولك : شهدت الجمعة ؛ لأنّ المقيم والمسافر كلاهما شاهدان للشهر « 2 » .
5 . أحكام القرآن ، لابن العربي المالكي ( م 543 ) :
المسألة الثانية :
قوله تعالى :
شَهْرُ رَمَضانَ
يعني هلال رمضان ، وإنّما سمّي الشهر شهرا لشهرته ، ففرض الله علينا الصوم عند رؤية الهلال . وهذا قول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فإن غمّ عليكم فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين » .
ففرض علينا عند غمّة الهلال إكمال عدّة شعبان ثلاثين يوما ، وإكمال عدّة رمضان ثلاثين يوما عند غمّة هلال شوّال ؛ حتّى يدخل في العبادة بيقين ، ويخرج عنها بيقين .
وكذلك ثبت عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مصرّحا به أنّه قال : « لا تصوموا حتّى تروا الهلال ، ولا تفطروا حتّى تروه » .
وقد روى الترمذي ، عن أبي هريرة ، عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال : « احصوا هلال شعبان لرمضان » .
المسألة الثالثة :
قوله تعالى :
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ
محمول على العادة بمشاهدة الشهر ، وهي رؤية الهلال ، وكذلك قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته » .
هامش
( 1 ) . أحكام القرآن ، ج 1 ، ص 64 - 65 .
( 2 ) . الكشّاف ، ج 1 ، ص 228 - 229 .