المسألة الرابعة :
اعلم أنّ في الآية إشكالا وهو أنّ قوله تعالى :
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ
جملة مركّبة من شرط وجزاء ، فالشرط هو شهود الشهر ، والجزاء هو الأمر بالصوم ، وما لم يوجد الشرط بتمامه لم يترتّب عليه الجزاء ، والشهر اسم للزمان المخصوص من أوّله إلى آخره ، فشهود الشهر إنّما يحصل عند الجزء الأخير من الشهر ، وظاهر الآية الكريمة يقتضي أنّ عند شهود الجزء الأخير من الشهر يجب عليه صوم كلّ الشهر ، وهذا محال ؛ لأنّه يفضي إلى إيقاع الفعل في الزمان المنقضي ، وهو ممتنع .
وبهذا الدليل علمنا أنّه لا يمكن إجراء هذه الآية على ظاهرها ، وأنّه لا بدّ من صرفها إلى التأويل ، وطريقه : أن يحمل لفظ الشهر على جزء من أجزاء الشهر في جانب الشرط ، فيصير تقديره : من شهد جزءا من أجزاء الشهر فليصم كلّ الشهر . فعلى هذا ، من شهد هلال رمضان ، فقد شهد جزءا من أجزاء الشهر ، وقد تحقّق الشرط ، فيترتّب عليه الجزاء ، وهو الأمر بصوم كلّ الشهر ، وعلى هذا التأويل يستقيم معنى الآية ، وليس فيه إلّا حمل لفظ الكلّ على الجزء ، وهو مجاز مشهور . . . .
المسألة الخامسة :
اعلم أنّ قوله تعالى :
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ
يستدعي بحثين :
البحث الأوّل : أنّ شهود الشهر بما ذا يحصل ؟ فنقول : إمّا بالرؤية ، وإمّا بالسماع .
أمّا الرؤية فنقول : إذا رأى إنسان هلال رمضان فإمّا أن يكون منفردا بتلك الرؤية أو لا يكون ، فإن كان منفردا بها فإمّا أن يردّ الإمام شهادته أو لا يردّها ، فإن تفرّد بالرؤية وردّ الإمام شهادته لزمه أن يصوم ؛ لأنّ الله تعالى جعل شهود الشهر سببا لوجوب الصوم عليه ، وقد حصل شهود الشهر في حقّه ، فوجب أن يجب عليه الصوم . وأمّا إن انفرد بالرؤية وقبل الإمام شهادته أو لم ينفرد بالرؤية فلا كلام في وجوب الصوم .
وأمّا السماع فنقول : إذا شهد عدلان على رؤية الهلال حكم به في الصوم والفطر جميعا ، وإذا شهد عدل واحد على رؤية هلال شوّال لا يحكم به ، وإذا شهد على هلال رمضان يحكم به احتياطا لأمر الصوم . والفرق بينه وبين هلال شوّال أنّ هلال رمضان للدخول في العبادة وهلال شوّال للخروج من العبادة ، وقول الواحد في إثبات العبادة يقبل ، أمّا في الخروج من العبادة فلا يقبل إلّا قول الاثنين .
وعندي أنّه لا فرق بينهما في الحقيقة ؛ لأنّا إنّما قبلنا قول الواحد في هلال رمضان ؛ لكي