قوله عزّ وجلّ :
أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ
« 1 » ، وقوله :
شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ
« 2 » ؛ فإنّ ما يعتمد عليه في المحاكمات والمرافعات هو الشهادة بمعنى يشمل الحضور والرؤية والاطّلاع وإن كان يأتي شهد بمعنى حضر للتوافق المصداقي بينهما .
وقد أخطأ اللغويون في تسويتهم الشهود بالحضور حيث حصره بعضهم فيه ، ومنهم من جعله المعنى الأوّل ، وذلك لأنّهم لاحظوا جملة من الاستعمالات العربية جاءت على ذلك ، وكان دينهم في تدوين المعاني اللغوية ملاحظة المعاني السياقية . والتحقيق على ما فصّلناه في محلّه أنّه أعمّ من ذلك ، وإن كان الحضور لا ينفكّ عن الشهود ، وقد أوجبت هذه الملازمة تخيّل المساواة ، ولكنّه ليس كذلك .
ولا يعني هذا أنّا نمنع مجيء
شَهِدَ
متعدّيا تارة ، ولازما أخرى ، فقد يأتي في بعض الموارد بحسب القرائن بمعنى يقابل السفر ، كما في رواية عن الصادق عليه السلام : « من شهد فليصمه ، ومن سافر فلا يصمه » « 3 » . وقول أمير المؤمنين عليه السلام : « أكلّكم شهد معنا صفّين ؟ » « 4 » . وهو فعل لازم هنا . ولا ينافي هذا ما قلناه في الآية أنّها وردت بمعنى جامع يشمل الحضور والاطّلاع والرؤية .
والخلاصة أنّ الأصل القرآني الذي يمكن استيحاؤه من الآية هو ارتباط تنجّز وجوب الصوم بالرؤية ؛ فإنّ الباري سبحانه خصّ عنوان الاستعلام بالشهود ، فنفى غيره من سائر الطرق العلمية ، وهذا صريح ما تواترت عليه الروايات : « صم للرؤية ، وأفطر للرؤية . . . ولا تصم إلّا للرؤية . . . وليس على المسلمين إلّا الرؤية » .
فائدة في مادّة شهد ومدلولها : الكلمة التي هي محلّ البحث
شَهِدَ
مركّبة من ثلاثة أحرف . والذي أحصيناه ممّا رصد في المعاجم اللغوية من معانيها على اختلاف هيئاتها ما يقارب الأربعين معنى ، وقد حقّقنا في موضعه أنّ المعاني الكثيرة ترجع في الواقع إلى معنى واحد ، والقاعدة ترشدنا إلى استحالة وضع مادّة كلمة واحدة لمعان مختلفة ، والحجّة على ذلك محرّرة في محلّها .
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 133 .
( 2 ) . المائدة ( 5 ) : 106 .
( 3 ) . وسائل الشيعة ، ج 10 ، ص 176 ، أبواب من يصحّ منه الصوم ، الباب 1 ، ح 8 .
( 4 ) . نهج البلاغة ، ص 178 ، الخطبة 122 .