الثاني : وجوب أن يكون الشاهد من المؤمنين
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ
وهذا يعني اشتراط العدالة في الشاهد .
الثالث : توسعة دائرة الشهود بحيث يشمل الشخصي وغيره على أن يكون ذلك الشاهد من المؤمنين ، وهذا يستفاد من ضمير خطاب الجمع المتّصل بحرف الجرّ
مِنْكُمُ
؛ إذ لو كان الصيام إنّما يتنجّز على الشاهد فقط ولا ربط له بغيره ولا لغيره به لاقتصرت الآية المباركة على قوله : « فمن شهد الشهر فليصمه » . فالعدول عن مجرّد ضرب القاعدة وجعل القضيّة الكلّية الحقيقية إلى إشرابها الخطاب الموجّه في
مِنْكُمُ
إلى المؤمنين يوحي بهذا المعنى .
وقد يستأنس لهذا الاستظهار بقوله تعالى بعد هذا مباشرة :
وَمَنْ كانَ مَرِيضاً .
. .
فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ
فإنّ إطلاق المريض يشمل من شهد ولكنّه لا يستطيع الصوم ، والذي لم يشهد أصلا ، والقضاء فرع توجّه الخطاب والتنجّز ، وهذا يعني أنّ شهود غيره أوجب عليه القضاء بعد فرض تنجّزه . وهذا مطلب دقيق يحتاج إلى مزيد تأمّل وعناية . . . .
زيادة تحقيق : لا سبيل إلى توهّم أنّ متعلّق
شَهِدَ
- التي أخذ فيها الرؤية على ما سيأتي في تحقيق معناها - هو الثلاثون يوما ؛ فإنّ شهريّة الأيّام بهلالها . وقد صحّ ما في بعض المعاجم من أنّ الشهر أطلق أوّلا وبالذات على الهلال ، ثمّ توسّعوا فيه فأطلقوه على الأيّام ، ويؤيّد ذلك قوله تعالى :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ
« 1 » فجعل الأهلّة مواقيت « 2 » .
ثمّ إنّ ذكر « الشهود » فيه إلغاء للطرق العلميّة والاعتماد على النظريّات الفلكيّة والحساب ، وفيه نفي الاعتماد على الظنّ ونحوه في ثبوت الهلال ، كما أنّ الهيئة وزنة الماضي المفرد « شهد » توحي بلزوم فعليّة الشهود وعدم كفاية التقدير والفرض . وسيأتي البحث عن جميع ذلك بشيء من التفصيل .
ولا يوجب إسناد الشهود إلى الشهر المركّب من الأيّام المعدودة جعله بمعنى الحضور المقابل للسفر ؛ فإنّ الحضور غير الشهود ، وتؤيّد ذلك آيات من القرآن الكريم ، منها :
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 189 .
( 2 ) . جاء في بعض الروايات تعابير نحو : « فإذا خفي الشهر فأتمّوا العدّة شعبان ثلاثين يوما » فنسبة الخفاء من الشهر كنسبة الشهود ، فلاحظ .