شرح
ولكن قوّى التفصيل بين الرحم وبين غيره ، وعدّه القول المشهور ؛ حيث قال بعد نقل الأقوال : « وهذا القول ليس بعيداً من الصواب - إلى أن قال - وكيف كان فالأولى الاقتصار على الرحم ، وهو المشهور » « 1 » .
هامش
( 1 ) . وهذا القول ليس بعيداً من الصواب .
فإن قيل : قوله تعالى :« لا تَجِدُ قَوْماً »الآية نصّ في المنع من ذلك ؛ لأنّ الوقف على الإنسان موادّة له .
قلنا : أوّلًا نمنع ذلك ، فان المفهوم من الموادّة غير ذلك ، ويؤيّده قوله سبحانه في حقّ الأبوين الكافرين :« وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً »، فإنّه ليس من الصحبة بالمعروف ترك صلتهما مع حاجتهما .
ولا يبعد أن يكون المراد من الآية : المباعدة لأعداء اللَّه ، والتصلّب في مجانبتهم على وجه لا يمنع صلة الرحم وحسن المصاحبة للوالدين المأمور بهما ، ويكون كلّ من الأمرين جارياً على ظاهره .
أو يقال : إنّ المباعدة بالنسبة إلى كلّ شخص بحسب حاله ، ففي الوالدين والأرقاب ما وراء الصلة المأمور بها بخلاف غيرهم .
والجواب عن قوله تعالى :« لا يَنْهاكُمُ »الآية : أنّه لا دلالة فيها على الموادّة ، وظاهرها يقتضي جواز الوقف على بعض الحربيين ، والمنع من بعض أهل الذمّة الذين سبق منهم القتال .
ولعلّ المراد بها : النساء والصبيان ، إذ ليس من شأنهم القتال ، وهو قول بعض المفسّرين ، بل قد قيل : إنّها منسوخة ، ويشكل بأنّه يلزم جواز الوقف على النساء والصبيان مطلقاً ، وكيف كان فالأولى الاقتصار على الرحم ، وهو المشهور .
ووجه القرب في المنع من الوقف على الحربي : أنّ ذلك منافٍ للمباعدة والمجانية المأمور بها ؛ لانتفاء القرابة المقتضية للصلة فيكون الوقف نوع مودّة ويحتمل ضعيفاً الجواز لعموم قوله عليه السلام : على كلّ كبد حرّى أجر .
ووجه القرب في الصحّة على المرتدّ عن غير فطرة إنّه بحكم المسلم ويشكل بأنّ ذلك في لحوق الأحكام له لا في جواز مودّته والاصحّ أنّ المرتدّ كغيره من الكفّار أمّا المرتدّ عن فطرة فلا يجوز الوقف عليه أصلًا إذا كان رجلًا لوجوب قتله ، أمّا المرأة فهي كالمرتدّ عن غير فطرة ، راجع : جامع المقاصد 9 : 50 .