والصحيح من الأقوال هو الأخير ؛ لأنّه الظاهر من الحديث والمتيقّن منه ، والسرّ فيه : أنّ الحديث هو الناس مسلَّطون على أموالهم ، فهم بحاجة إلى مسلِّط ، وليس هو إلا الشارع المقدّس السلطان بالذات ، فتكون السلطنة الموهوبة من قبله تعالى إلى العبد هي سلطنة محدودة بالحدود التي حدّدها وبيّنها ، ولا يُعقل أن تكون تلك السلطنة معارضة ومزاحمة لحدوده ودائرة شريعته ؛ لأنّها أيضاً من سلطانه تبارك وتعالى ، ولذلك ليس هناك تعارض وتنافي بين إطلاق الحديث المذكور وبين أدلّة حرمة بعض التصرّفات في الأموال والحدود الشرعية للاستفادة منها .
وعلى ذلك فالمراد بالسلطنة للناس على أموالهم وأملاكهم هو تسلّطهم عليها في مقابل غيرهم ، بحيث أنّ زيداً - مثلًا - مسلّط على ماله بالنسبة إلى غيره ، أي : أنّ زيداً مستقلّ في تصرّفاته في ماله ، ولا يحلّ لعمرو - مثلًا - أن يزاحمه ويعارضه .
فالسلطنة المعطاة لكلّ إنسان معناها الاستقلال في تصرّفاته وعدم الحجر عليه من قبل غيره من الأشخاص .
ومن هنا فلا ينبغي أن يستنبط من الحديث المذكور أيّ حكم من الأحكام في موارد الشكّ في حلّية تصرّفٍ ما أو صحته ؛ لأنّه ليس بصدد ذلك كما اتضح .
نعم ، لو شُكّ في نفوذ تصرفٍ - بعد كونه معلوم الحكم في الشريعة - كهبة المرأة بغير إذن زوجها أمكن التمسّك بإطلاق الحديث لنفي توقّف تصرّفها على إذن الزوج ، وأمّا إثبات أصل صحّة هبتها - مثلًا - فلا .
ومن هنا يتبيّن الإشكال على استدلال الشيخ الطوسي رحمه الله بالحديث على جواز إقراض الجواري ، واستدلال السيد اليزدي رحمه الله على إفادة المعاطاة الملك ، ونحو ذلك من الاستدلالات ، فلاحظ .
مجلة فقه أهل البيت ( ع ) — صفحة 213
مساهمون: مجموعة مؤلفين
ص٢١٣