ومن هذه المقدّمة يستفاد أنّ ما يرويه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسنداً أو مرسلًا - خصوصاً بعد ما يستدلّ لرأيه وفتواه بدليل معتمد عنده من الأخبار والأصل كما في موردنا - إنّما هو حديث رواه الجمهور في كتبهم ومصنّفاتهم ، فينبغي أن يكون له أثر فيها ووجود ، وقد قدّمنا سابقاً أنّهم لم يرووا هذا الحديث في كتبهم ، وإنّما ذكر الشافعي تلك الجملة كقاعدة فقهية لإثبات فتواه ورأيه ، الأمر الذي يبعث في نفوسنا الشكّ في كون حديث السلطنة حديثاً نبويا مروياً بطرقهم .
إن قلت : إنّنا نحتمل أن يكون الحديث النبوي مروياً بطرق أصحابنا عن أئمتنا المعصومين عليهم السلام .
قلت : إنّه احتمال بعيد جداً ؛ فإنّه لم يذكره أحد من المحدّثين حتى الشيخ في كتب الحديث ، ولم يشر إليه أحد من الفقهاء ، على أنّ ظاهر كلامه في المقدّمة كونه حديثاً مروياً بطرق الجمهور ، كما أنّ ظاهر سياق إيراده للحديث يشير إلى ذلك أيضاً ، حيث أورد معه حديثاً آخر مروياً عندهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
إن قلت : لعلّ الشيخ رحمه الله أخذ الحديث المذكور من أفواه رجالهم وعلمائهم ، أو من كتبهم السالفة التي لم تصل إلينا .
قلت : إنّ هذا الاحتمال منافٍ لشأن الشيخ وجلالته ؛ لأنّه بصدد الاحتجاج - في مورد هذا الحديث وهو إقراض الجواري - على الشافعي وأتباعه ، فمن البعيد أن يحتجّ عليهم بمثل ذلك ، بل أنّ نفس احتجاجه على الشافعي يقوّي في النفس احتمال تصوّر الشيخ أنّ ما ذكره الشافعي من القاعدة وهي الناس مسلّطون على أموالهم كان حديثاً نبوياً ، مع أنّها - كما اتضح - ليست كذلك ، والله العالم .
يضاف إلى ذلك : أنّ الأحاديث والأخبار كانت مدوّنة في عصر الشيخ ، فكان الاعتماد على الكتب والسنن والمسانيد والصحاح ، لا على ما تناقلته الألسن ، خصوصاً من قبل شيخ الطائفة رحمه الله .
مجلة فقه أهل البيت ( ع ) — صفحة 216
مساهمون: مجموعة مؤلفين
ص٢١٦