للإرشاد إلى مصلحة دنيوية لا أخروية ، بخلاف الندب فإنّه إشارة إلى مصلحة راجحة أخروية ؛ هي نيل الثواب » « 1 » .
وهذا النمط من المناقشة العميقة نجد نظيرها كثيراً ، ففي تفسير قول اللَّه تعالى : «
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا . . . »
الآية ، نجده يناقش البحراني - في استفادته الندبية من لفظة « أو » الدالّة على التخيير ؛ لأنّ الواجب لا تخيير فيه « 2 » - بمناقشات عميقة نظير ما تقدم .
ب - لكننا نجد قضية ثانية الحق فيها مع معاصره البحراني ، إلّا أنّه يستدرك عليه في مدرك ليس محل النزاع ، ففي القرض ( كتاب الدين ) يستدل ابن المتوج بقول اللَّه تعالى : «
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً »
، قال : وفي معناها ثلاث آيات أخرى : «
إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ »
، و «
وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً . . . »
، و
« إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً »
، وقد استدل بها البحراني - كما نقل السيوري - على أرجحية القرض للمؤمن ، قال السيوري معقباً : وعندي في ذلك نظر ؛ لأنّ القرض مطلقاً قد يحمل على استعارة الأعمال الصالحة التي يفعلها العبد ويحصل له العوض في الآخرة ، وحينئذٍ لا دلالة في الآية على مشروعية القرض « 3 » . والمقام في موضع الاستدلال على مشروعية بعض التصرفات المعاملية بمستند قرآني .
ونجد نظير ذلك في استفادة البحراني من قوله تعالى : «
فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ »
وقوله : «
وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ . . . »
على مشروعية المضاربة ؛ لدلالتها على رجحان التكسب مطلقاً ، قال السيوري : « وعندي في الاستدلال بها نظر يعلم مما تقدم في باب القرض » .
ويرى السيوري أنّ هذه الآيات وآيات القرض أعم من المتنازع ، والعام لا دلالة له على الخاص ، وأيضاً تصحّ المضاربة حضراً أو سفراً ، فالاستدلال بهذه الآيات التي تحصرها في السفر تخصيص لموضوعها من غير داعٍ « 4 » .
هامش
( 1 ) - كنز العرفان 1 : 111 .
( 2 ) انظر : المصدر السابق : 119 .
( 3 ) انظر : المصدر السابق 2 : 135 .
( 4 ) المصدر السابق : 152 .