ونجد ذلك أيضاً في دلالة هذا اللفظ على جواز الأكل من بيوت الآباء والأمهات وسائر من ذكرتهم الآية باعتبار رفع الجناح المستلزم للإباحة بمعناها العام ؛ أي الجواز « 1 » .
ويترتب على هذا أنّ ورود
« فَلا جُناحَ »
لا دلالة فيه على الإباحة كقسم من أقسام التكليف ، بل يستفاد من اللفظ عموم الجواز ، وبأدلّة أخرى يحدد نوع الجواز بدءاً من الوجوب وانتهاءً بالكراهة .
ومن الأصالات التي يرجح بها ما اختلف الفقهاء فيه - مثلًا - أصالة براءة الذمة من الوجوب حتى يقوم دليل شرعي على اشتغالها ، ففي قوله تعالى : «
وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ »
يرى أنّ الوجوب مخصص بالعيدين والجمعة ، ويردّ على من يرى أنّ صلاة الجماعة واجبة ؛ استدلالًا بهذه الآية ، وبتوعده صلى الله عليه وآله وسلم لجماعة تركوها بإحراق بيوتهم ، قال : لا يدلّ ذلك على مطلوبه ؛ لاحتمال اعتقادهم بعدم مشروعيتها ، أو لنهيهم على إصرارهم ترك السنن ، فإذا ثبت الدليل والدلالة فليست أدلّ على أكثر من شدة الاستحباب الذي لا نزاع فيه ؛ لأصالة البراءة من الوجوب « 2 » .
وكذلك في قوله تعالى : «
وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا »
فيه مفهوم الراجحية بين الوجوب أو الاستحباب ، وقد رجح الثاني في حالات غير الصلاة .
ويرى السيوري اختصاص الزكاة بالمسكوكين من الذهب والفضة حصراً ، ولا يعدَّى الوجوب إلى غير ذلك من النقود ، لأصالة البراءة من الوجوب .
وفي تفسير قوله تعالى : «
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ . . . »
الآية ، نجده يعارض من استدل بها على جواز أكل ثمرة الطريق ، قال : الأولى عدم جواز ذلك ؛ لأصالة عصمة مال المسلم إلّا عن طيب نفسه .
وفي الكاتب هل يجوز له أخذ الأجرة من الآمر بكتابة الدين ؟ قال : جاز ؛ لأصالة عدم وجوب بذل المنفعة مجاناً .
هامش
( 1 ) - المصدر السابق : 103 .
( 2 ) المصدر السابق 1 : 157 .