الملاحظة الأولى : من الأمور التي تلاحظ في منهج المقداد السيوري مدى استفادته من آراء المفسرين قبله ،
مما يدلّ على اطلاعه على التراكم العلمي لجهد المفسرين ، وهناك أمثلة تطبيقية لذلك « 1 » .
وقد وضع معاصره ابن المتوج البحراني كتاباً في تفسير آيات الأحكام للضبط والمناقشة والمناظرة في الأسلوب والاستدلال ، فناظره عشرات المرات مناظرة اختلف معه في وجهات نظره كثيراً ، واتفق معه قليلًا ، ولولا انحصار مهمة البحث في المنهج لاستقصيت ذلك وتلمست أسبابه . ومن الأمثلة على ذلك :
أ - في تفسيره قوله تعالى : «
وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ »
« 2 » قال السيوري : « قال المعاصر ما هذا لفظه : « يمكن الاستدلال بهذه الآية على ندبية القنوت في الصلاة ؛ إذ لا قائل بوجوبه ، والأصل براءة الذمة ، ولأنّ صيغة الأمر استعملت في الندب ، مثل قوله تعالى : «
وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ » »
» . ثمّ قال السيوري : « أقول : في هذا الكلام غلط من وجوه :
الأوّل : إنّ قوله : « لا قائل بوجوب القنوت » يدلّ على عدم الاطلاع على النقل ؛ فإنّ ابن بابويه وابن أبي عقيل قائلان بالوجوب وهما في الفقه بمكان عالٍ « 3 » .
الثاني : إنّ أصالة البراءة إنّما تكون حجة مع عدم الدليل ، لا مطلقاً .
الثالث : إنّ قوله : « صيغة الأمر استعملت في الندب » إن عنى بصيغة الأمر هنا لفظة
« قُومُوا »
فتلك للوجوب ، كما استدل هو وغيره بها على وجوب القيام في الصلاة ، وإذا كانت للوجوب لا تدلّ على الندب ؛ إذ لا يجوز استعمال المشترك في كلا معنييه كما تقرر في الأصول ، وإن عنى لفظ
« قانِتِينَ »
فليس بأمر ، وهو ظاهر .
الرابع : إنّ تمثيله للندب بقوله :
« وَأَشْهِدُوا »
سهو ؛ فإنّ الأمر فيها
هامش
( 1 ) - أ - في قوله تعالى : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا . . .» الآية ، قال - نقلًا عن الطبرسي - : « الحذر : السلاح ، عن الباقر عليه السلام ، وهو الأصحّ ؛ لأنّه أوفق بقياس كلام العرب ، ويكون من باب حذف المضاف ؛ أي آلات حذركم » . وعقب عليه السيوري : وفيه نظر ؛ لأنّه في غير هذه الآية عطف السلاح على الحذر ، والعطف يقتضي المغايرة ، وتقدير محذوفٍ خروج عن الظاهر ، ولو قال : إنّه سمّي السلاح حذراً لأنّه به يحصل الحذر ، لكان أصوب . ( كنز العرفان 2 : 11 ) .
ب - وفي قوله تعالى : «قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ . . .» الآية ، قال الزمخشري : « المراد بلاد المشرق والمغرب ، فيلزمه ألّا يكون البراري والخربان منهما . وليس كذلك » . ( كنز العرفان 1 : 64 ) .
ج - قال : إنّ رأي الجبائي في قوله تعالى : «فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» بأنّ الشطر النصف باطل باتفاق المفسرين . ( كنز العرفان 1 : 65 ) . وهنا يترتب عليه التوجه للجهة لا العين لأنّه حرج .
( 2 ) البقرة : 238 .
( 3 ) نقل العلّامة في المختلف أنّ ابن أبي عقيل يرى أنّ من تركه متعمداً بطلت صلاته وعليه الإعادة ، وقال ابن بابويه إنّه سنة واجبة من تركها متعمداً في كلّ صلاة فلا صلاة له ، ومشهور مذهب الإمامية أنّه مستحب ؛ لأصالة البراءة ، ولما ورد في الصحيح عن الصادق عليه السلام أنّه سئل عنه قبل الركوع أم بعده ؟ قال : « لا قبله ولا بعده » ، وعن الرضا عليه السلام قال : « إن شئت فاقنت ، وإن شئت لا تقنت » . أمّا ابن أبي عقيل فاحتج بالاحتياط لورود الأمر به ، والأمر للوجوب .