وذهب آخر إلى خلافه ، واختار ثالث التفصيل بين ما لو كان الحكم داخلًا في مفهوم الإسلام كالعبادات والتوحيد والرسالة فيحكم بكفره ، وبين ما لم يكن كذلك فلا يحكم بكفره « 1 » .
أمّا القائلون بكفر منكر الإجماع مطلقاً فقد اختاروا ذلك باعتبار أنّ الإجماع هو الذي يوجب القطع بدخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المجمعين ، فإنكاره يعني بالضرورة إنكاراً لحجية قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورسالته .
وقد قيّد الوحيد البهبهاني « 2 » البحث في هذه المسألة بما إذا كان الإجماع متحقّقاً بين المسلمين لا بين الإمامية خاصة ؛ لأنّ رفض إجماع الإمامية لا يؤدّي إلّا إلى عدم الإيمان بإمامة المعصوم ، وهو ممّا لا يوجب الكفر قطعاً .
ولا بدّ من التنبيه على أنّ إنكار الإجماع إنّما يوجب الكفر إذا كان المنكر عالماً بأنّ ما ذهب إليه المجمعون كان صحيحاً ، وإلّا فلا معنى للحكم بكفر من خطّأ المجمعين وتوصّل إلى غير ما توصّلوا إليه من حكم ؛ لاعتماده على دليل مستقلّ ، أو لعدم اعترافه بأصل حجّية الإجماع .
وقد أشار المحقّق إلى هذا المعنى قائلًا : إنّ جاحد الحكم المجمع عليه كافر ؛ لأنّه يجحد ما يعلم حقيقة أنّه من الشرع « 3 » .
قال الخراساني :
من جَحَدَ الحكمَ الذي قد اجمِعا * مَع علمه تكفيرُهُ لا يمنعا « 4 »
وأمّا القائلون بأنّ منكره ليس كافراً فقد استدلّوا له بدليلين :
أحدهما : أنّ أصل أدلّة الإجماع لا تفيد العلم ، فكيف بما يتفرّع عنه من أحكام ؟ ! فإنّ غاية ما يفيده الإجماع هو حصول الظنّ بالحكم الشرعي وجاحد المظنون ليس بكافر إجماعاً .
هامش
( 1 ) - ذكر هذه الأقوال مع بعض أدلّتها العلّامة في نهاية الأصول : 271 ، سطر 1 .
( 2 ) الرسائل الأصولية : 269 .
( 3 ) معارج الأصول : 129 .
( 4 ) الألفية النورية ( ضمن كتاب أراجيز أربعة ) : 57 .