وثانيهما : هو أنّه لو سلّمنا حصول العلم بالأحكام بواسطة الإجماع فإنّ العلم بالإجماع غير داخل في ماهيّة الإسلام حتى يحكم بكفر منكره ، ولو كان داخلًا حقّاً لوجب على الرسول ألّا يحكم بإسلام أحد إلّا إذا عرّفه حجّية الإجماع ، وبما أنّه لم يفعل ذلك ولم يصرّح به دلّ ذلك على عدم دخوله في ماهيّة الإسلام « 1 » .
وأمّا القائلون بالتفصيل المتقدّم فالذي يفهم من كلامهم هو أنّهم استدلّوا عليه بأنّ إنكار الإجماع إنّما يوجب الكفر إذا أدّى إلى إنكار ماهيّة الإسلام ، بخلاف ما لو لم يكن مؤدّياً إلى إنكارها ، فإنّ المنكر يبقى حينئذٍ على إسلامه ؛ لأنّه مؤمن بأصل الإسلام وماهيّته « 2 » .
قال إمام الحرمين : « لقد شاع في ألسنة الفقهاء أنّ خارق الإجماع يكفر ، وهو باطل قطعاً ؛ فإنّ منكر أصل الإجماع لا يكفر ، فضلًا عمّن خرق نتائجه وخالفها ، والقول بالتكفير والتبرّي ليس بالهيّن » .
ثمّ قال : « نعم ، من اعترف بالإجماع وأقرّ بصدق المجمعين في النقل ثمّ أنكر ما أجمعوا عليه ، كان تكذيبه تكذيباً للشارع ، ومن كذّب الشارع فقد كفر . والقول الضابط فيه : أنّ من أنكر طريقاً في ثبوت الشرع لم يكفر ، ومن اعترف بكون الشيء من الشرع ثمّ جحده كان منكراً للشرع ، وإنكار جزء من الشرع كإنكار كلّه » « 3 » .
وقد علّق على ذلك بعض علمائنا بقوله : « وهذا التفصيل من إمام الحرمين في محلّه ؛ لوضوح أنّ إنكار الطريق لا يستلزم إنكار حكم شرعي ثبت بالضرورة » « 4 » .
2 - حكم الإجماع بعد الإجماع :
قال المحقق قدس سره : « لا يجوز أن ينعقد إجماع على حكم ثمّ ينعقد إجماع آخر
هامش
( 1 ) - نهاية الوصول إلى علم الأصول : 271 .
( 2 ) الإحكام في أصول الأحكام 1 : 344 .
( 3 ) أصول الفقه ( للخضري ) : 287 .
( 4 ) الأصول العامّة للفقه المقارن : 270 .