النحو الثاني :
ألّا يكون نفي القول الثالث عند كلّ فقيه مرتبطاً بإثبات ما تبنّاه من رأي ، بل هو ينفي القول الثالث حتى مع بطلان ما اختاره .
وهذا المعنى من الإجماع يرجع في حقيقته إلى الإجماع البسيط ؛ لأنّ الكلّ متّفق على نفي القول الثالث بقطع النظر عن اختلافهم في الأقوال الأخرى .
وحينئذٍ ، يكون الإجماع حجّة في نفي القول الثالث على جميع المسالك المتقدّمة ؛ لأنّه لا يختلف ملاكاً عن الإجماع البسيط « 1 » .
الفرق بين الإجماع المركّب وعدم القول بالفصل :
إنّ الفرق بين هذين الاصطلاحين يكمن في أنّ الموضوع في الأوّل جزئي ليس له أفراد متعدّدة ، بخلاف الثاني .
ومثال الأوّل : مسألة الجهر في القراءة في ظهر الجمعة التي انقسم العلماء فيها بين قائل بالاستحباب وقائل بالوجوب ، فالقول بالحرمة يكون خرقاً لما اتّفقوا عليه في هذين القولين .
ومثال الثاني : ثبوت خيار العيب في جميع أقسامه وأفراده على قول ، وعدم ثبوته في جميعها على قول آخر ، فالقول بثبوته في بعضٍ دون بعض يكون حينئذٍ قولًا بالفصل ، وخرقاً لما اتفقوا عليه في هذين القولين .
وإنّما سمّي قولًا بالفصل ؛ لأنّه يفصل بين أفراد الموضوع الواحد في الحكم ؛ فيجعل لبعضها حكماً ولبعضها حكماً آخر .
ومن ذلك يعلم أنّ المخالفة الحاصلة بين القول الثالث وبين الإجماع المركّب تختلف عن التباين مخالفة القول الثالث وعدم القول بالفصل ؛ لأنّ المخالفة للإجماع في المركّب شامل لموضوع الحكم بأسره وهو الجهر في القراءة ؛ لأنّ الإجماع ينفي حرمة الجهر فيها ، والقول الثالث يثبتها .
هامش
( 1 ) - بحوث في علم الأصول 4 : 317 . دروس في علم الأصول 3 ( القسم الأوّل ) : 219 - 220 .