ويبدو أنّ التفريق بين الإجماع المدركي وغير المدركي لم يكن مطروحاً عند المتقدّمين ، بل ولا عند أكثر المتأخرين ؛ بدليل أنّهم عندما يحاولون الردّ على المتقدّمين - الذين استدلّوا بالإجماع على مسألة انفعال ماء البئر بملاقاة النجاسة - لم يتمسّكوا في ردّها بكون الإجماع المدّعى في ذلك مدركياً منشؤه وجود روايات متعدّدة في هذا الباب ، بل تمسّكوا بدلًا عن ذلك بوجود المخالف وأنّه معارض بروايات أخرى .
قال صاحب الجواهر - بعد أن ذكر الروايات الدالّة على الانفعال - : « إنّ أقوى دعوى لهم في ذلك الإجماعات المنقولة ، وهي - مع كون المخالف لها موجوداً حتى من القدماء ، بالإضافة لإطباق المتأخرين على خلافه ، مع مخالفتها لما سمعت من الأخبار - يضعف الظنّ بها ؛ لقوّة الأخبار عليها من وجوه . على أنّه يظهر من العلّامة في المنتهى « 1 » المناقشة في نسبة ذلك إلى الأكثر ، فضلًا عن دعوى الإجماع عليه » « 2 » .
وهذا الكلام من صاحب الجواهر - وعدم استدلاله بكون الإجماع المدّعى مدركياً - يدلّ على مدى تأخّر الأعلام - حتّى المعاصرين منهم - عن التصريح بالفرق بين الإجماع المدركي وغيره .
ولعلّ أوّل من صرّح بهذا الفرق هو المحقق العراقي عند تعرّضه لأدلّة جواز الأخذ بالبراءة قبل الفحص ، حيث قال : « أمّا الإجماع فلا وثوق به ؛ لقوّة احتمال كون مدرك المجمعين فيه هو حكم العقل » « 3 » .
ثمّ توالت بعد ذلك التصريحات للتأكيد على هذا الفرق إلى زماننا هذا .
ولا بد من الإشارة إلى أنّ الكلام حول عدم حجّية الإجماع المدركي إنّما يصحّ إذا كان المبنى في حجّيته يستند إلى الملازمة أو حساب الاحتمالات ، حيث يقع البحث حينئذٍ عن ضرورة مراجعة مدرك الإجماع بدلًا من مراجعة نفس الإجماع .
هامش
( 1 ) - منتهى المطلب 1 : 62 .
( 2 ) جواهر الكلام 1 : 202 .
( 3 ) نهاية الأفكار 3 : 475 .