وأمّا الملازمة الاتّفاقية
فقد قالوا في تصويرها : إنّ اتفاق العلماء يلازم أحياناً رأي المعصوم ويكشف عنه ، وهي طريقة المتأخرين في دعوى الإجماع « 1 » .
وقد علّق السيد الخوئي على ذلك بما حاصله : إنّ الملازمة الاتفاقية بهذا المعنى ممّا لا سبيل إلى إنكارها ، إلّا أنّنا لا يمكننا إدخالها تحت ضابطة معيّنة ؛ لأنّ استكشاف قول الإمام عليه السلام بهذه الطريقة يختلف باختلاف الأشخاص والأنظار ، فربّ فقيه لا يرى تحقّق الملازمة إلّا عن طريق اتّفاق علماء جميع الأعصار ، وآخر يراها تتحقّق باجتماع علماء عصر واحد أو جماعة من عصر واحد ، بل ذهب بعضهم إلى تحقّقها باجتماع ثلاثة علماء فقط ، وهم الشيخ الأنصاري والسيد الشيرازي الكبير والميرزا محمّد تقي الشيرازي قدس اللَّه أسرارهم ، وذلك لاعتقاده بشدّة ورعهم ودقّة نظرهم « 2 » .
وأمّا الشهيد الصدر قدس سره فقد اعتبر أنّ اعتقاد المتأخرين بأنّ الإجماع كاشف بالملازمة عن رأي المعصوم يرجع في حقيقته إلى حساب الاحتمالات الذي يتأثّر بعوامل عامّة وخاصّة متعدّدة ، ولهذا تختلف الإجماعات من حيث الكشف المذكور حسب اختلاف مواردها وخصائصها « 3 » .
هذا ، ومن تتبع كلمات الفقهاء يجدها في ظاهرها منطوية على حالة من التذبذب وعدم الاستقرار في طريقة التعامل مع الإجماع ، فبينما هم يستدلّون بالإجماع في بعض مسائل الفقه ، نجدهم يرفضون حجّيته عند استدلال الغير به في مسائل أخرى .
ويمكننا توجيه ذلك : بأنّهم إذا كانوا قد رفضوا الاستدلال بالإجماع فهم يرفضونه لعدم بلوغه درجة الكشف التامّ عن قول المعصوم عليه السلام ، وإذا قبلوه واستدلّوا به فلبلوغه درجة الكاشفية عن قول المعصوم عليه السلام ، فاختلاف المواقف تابع لاختلاف النتائج والمعطيات التي يحصلون عليها لاكتشاف الحكم الشرعي .
هامش
( 1 ) - كفاية الأصول : 288 .
( 2 ) مصباح الأصول 2 : 140 .
( 3 ) بحوث في علم الأصول 4 : 311 .