وإن كان المقصود منها المصلحة والمنفعة الثابتة في متعلّقات الأحكام الواقعية قبل تعلّقها بها وبقطع النظر عن أحكام الشارع ، فإنّ إيصالها ليس واجباً عليه تعالى ، بل جرت السنّة الإلهية على إيكال أمر تحصيلها إلى خبرة البشر أنفسهم ، وبصيرتهم المتنامية المتطوّرة من خلال التجارب والممارسات ؛ ولعلّ الحكمة في ذلك تكمن في ترك البشر وشأنهم ليتكاملوا ويكدّوا ويسعوا لكي تتفتّح قدراتهم وإمكاناتهم بصورة تدريجية .
هذا ، مضافاً إلى أنّ هذه القاعدة لا تعني أكثر من وجوب إيصال المصلحة بالطرق المتعارفة عن طريق بيان الأئمة عليهم السلام للرواة المعاصرين لهم .
إذاً ، لا ربط لمسألة الإجماع بقاعدة اللطف حتى يمكن الاستدلال بها عليه « 1 » .
الصورة الثانية - جريان العادة بحفظ المصالح :
وهي نفس الصورة السابقة ، إلّا أنّها تختلف عنها في أنّها لا تحتّم على اللَّه تعالى اللطف بعباده ، بل تعتبره حالة ثابتة جرت عادته عليها ، فلو قام الإجماع على ما يخالف الواقع فإنّ عادة اللَّه تقضي بإرشاد عباده إلى خلافه ، كما هي عادته في إرسال الرسل وإنزال الكتب وغير ذلك .
وأورد عليها : بأنّ العادة وإن ثبت جريانها في الأمور المذكورة ، إلّا أنّه لا دليل على ثبوتها في موارد أخرى لم يتمكّن الناس فيها من تلقّي الأحكام لقصور أو تقصير في أنفسهم « 2 » .
ولو سلّمنا أنّ مقتضى القاعدة إلقاء الخلاف لحفظ المصالح ، فإنّ ذلك لا يحلّ المشكلة ما لم يُمنع الكلّ أو الأكثر على أقلّ تقدير ؛ لأنّ مجرّد إلقاء الخلاف لا يوجب انكشاف المصلحة المجهولة لديهم « 3 » .
هامش
( 1 ) - مباحث الأصول ، الجزء الثاني من القسم الأوّل : 282 - 284 .
( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني من القسم الثاني : 286 - 287 .
( 3 ) أنوار الأصول 2 : 403 .