المباشر نذيب الكيانات الصغيرة المبعثرة ونصهرها ونعدم الفواصل الفارغة فيما بينها لنحصل بالتالي على كتلة أشدّ تكثفاً وأقل تباعداً فيما بين اجزائها .
وهكذا نلاحظ ان ذاك العقل الأصولي الذي حمله الصدر وعبّر عنه من خلال هذه النظريات الثلاث هو عقل شمولي لا يستنزف ذاته في المفردات ، وتكثيفي يتجاوز التباعدات إلى نقاط الالتقاء . وهذا ما يرشدنا إلى مدى النزعة العقلانية التي تمتع بها قدس سره .
القسم الثاني : الدليل الاستقرائي غير المباشر ،
وهو الدليل الذي لا يواجه النصوص والاحكام مباشرةً ويقوم باستقرائها ، وانما يواجه ظواهر يحصل من خلال استقرائها اكتشافٌ لحكمٍ شرعيٍ معينٍ . وأبرز مصاديق هذا الدليل عند الشهيد قدس سره هو الخبر المتواتر ، الاجماع ، الشهرة ، السيرة بقسميها .
ويعتمد هذا الدليل - كما يوضحه الشهيد في أبحاثه الموسّعة حوله « 1 » - على ملاحقة قرائن احتمالية كفتوى الفقيه في الإجماع والشهرة ، وخبر راوٍ ما في التواتر ، وسلوك متشرّعٍ في السيرة المتشرعية ، وبازدياد هذه القرائن المتفقة يقوى احتمال وجود حكمٍ معين في موارد الاجماع والشهرة استدعاهما ، كما يقوى صدور الرواية التي ينقلها الراوي الأول ، وهكذا يتقوّى الأساس الشرعي لسلوك هذا المتشرّع ، وبازدياد القرائن كثيراً ضمن شروط محددة يحصل للفقيه قطعٌ بمضمون المجمع عليه والمشهور والخبر المتواتر وبشرعية سلوك المتشرعة وصدوره عن المشرّع نفسه .
وبهذا الطريق انعكس الأمر ، فلم نعد نحتاج إلى كبريات قبلية كما فعله الأصوليون هنا ، بل انطلقنا من نفس المفردات التي بأيدينا لنصل إلى النتيجة المطلوبة ، وبذلك قدم السيد الشهيد تفسيراً - هو الأول من نوعه في تاريخ علم الأصول لهذه الظواهر الأربع الهامة في الاثبات ، وأعاد صياغتها ضمن آلياتٍ منطقيةٍ جديدةٍ .
هامش
( 1 ) دروس في علم الأصول ، الحلقة الثانية : 166 - 184 ، والبحوث 4 : 233 - 248 و 305 - 338 ، والمباحث 2 : 93 - 131 و 281 - 331 .