ثانيهما : تأمين بناءٍ تحتيّ لتصوّرٍ مقاصديّ للشريعة ، إذ قد تصلح هذه الطريقة بديلًا اساسياً في أكثر الأحيان عن الصيغ المعدّة لدى الشاطبي وابن عاشور وعلّال الفاسي و . . . في نظرية المقاصد ، إذ انها قادرة على إقامة الدليل العلمي على قواعد تمثل الخطوط العريضة أو الحمراء أو الضوابط الكلية أو الأهداف الحاكمة والعامة للشارع والشريعة ، فنحن هنا لم نعد نُعمل العقل المجرّد لتأصيل مقصدٍ من مقاصد الشريعة ، أو الذوق الشخصي للفقيه ، أو احساساته الساذجة المتلقّاة من خبرته الفقهية ، أو التفتيش على نصّ عامٍ قد يكون تامّاً سنداً وقد لا يكون فضلًا عن مدى القوّة والشمولية في دلالته . . .
وانما نشرف على مجاميع كبيرة من النصوص لنلاحظ التقاءها في نقطةٍ - على مستوى المدلول المطابقي أو التضمني أو الالتزامي - نستوحي منها قاعدةً عامةً ، وهذه القاعدة هنا غالباً ما تكون ذات طابع جوهري وبنيوي في نظام الشريعة كلًا أو بعضاً ، لأنها قد تولدت عنها أو التقت معها أو راعتها مجموعة كبيرة من النصوص والأحكام ، وهذا يدلّل على أن هذا المنهج الاستدلالي يتميّز عادةً بنوعية النتائج المنبثقة عنه إلى جانب كميتها .
ومن الطبيعي ان يحتاج هذا المنهج إلى هدوءٍ كبيرٍ وتتبعٍ واسعٍ سيما للقرائن العكسية التي تضعف من قوّة الاحتمال في المركز ، وهو منهج محفوفٌ بمخاطر التسرّع كثيراً ، سيما إذا لم يحسن الفقيه استخدامه ولهذا فهو يحتاج إلى تقعيدٍ ميداني ، أي إلى خوض التجربة لملاحظة نقاط اشتراك حاصلة أقرب إلى الواقع الاستدلالي من مجرد الصيغة العامة لهذا المنهج مما من شأنه أن يهدينا إلى مجموعة ضوابط وشروط تفصيلية تحدّ من الخطأ أو التسرّع اللذين قد يتورط فيهما الفقيه هنا . ونحن حينما نتحسّس أهمية هذا الطرح فإنما يكون ذلك بعد الفراغ عن الجدل في أصوله المنطقية والرياضية ، وإلّا فإذا أريد استخدامه ضمن الاطر المنطقية الأخرى - سيما فيما يتعلق بتعريف اليقين - فإنه سيؤدي إلى تشوّشات عديدة .
مجلة فقه أهل البيت ( ع ) — صفحة 263
مساهمون: مجموعة مؤلفين
ص٢٦٣