هذا التقسيم لعلم الأصول ؟ هل نهدف إلى مجرد عملية تجميعية للمسائل في اربع دوائر كبيرة أو أكثر ، أو أن وراء تقسيمنا هذا فرضية ومصادرة ما تجعل من هذا التقسيم قائماً على أساس منهجٍ محددٍ يفرض رباعيته تارةً كما يتطلب ترتيباً معيناً للمسائل من حيث التقديم والتأخير أخرى ؟ ووفقاً لذلك سجل الشهيد انتقاداته الخاصة على هذا التقسيم « 1 » .
وهذه النقطة من السيد الشهيد في غاية الأهمية والدلالة ، لأن إجراء تعديلاتٍ في جسم علمٍ من العلوم رهين لتغيّرات بنيوية في هذا العلم ، إما طرأت عليه من داخله نتيجة النمو التصاعدي الكبير أو من خارجه نتيجة ظهور علومٍ أخرى تعهدت بصورةٍ أكثر تخصصية بمعالجة بعض ما كان يعالجه هذا العلم ، أو ضمور علومٍ أخرى سبب انسحابها من الميدان المعرفي لسبب أو لآخر - التزام العلوم المتبقية بمعالجة ترِكتها ، ولا يطرأ على علمٍ من العلوم تعديل في التقسيم والتبويب إلّا إذا لاحظ العلماء نكاتٍ معينة في هذا العلم لم تلاحظ بنفس الدرجة من قبل .
وهكذا الحال في علم الأصول ، فإن تشييد البهبهاني ومن لحقه لنظريات كبرى في مسألة الأصل العملي وتحليله والعلاقة بينه وبين الامارة ، أدى في خاتمة المطاف إلى ظهور فرزٍ جديدٍ لهذا العلم على يد الشيخ الأنصاري انسجاماً مع ما صارت تستدعيه طبيعة ومستوى الموضوعات . . وهكذا ، وهنا يلاحظ في أطروحة الشهيد اشتمالها على ميزاتٍ فنيةٍ تستجيب لهذا الواقع الموجود في علم الأصول كما سنلاحظ إن شاء اللَّه تعالى .
ب - التقسيم المقترح :
وفي إطار وضعه للصيغة الأنسب قدّم الشهيد قدس سره اقتراحين اثنين لكلٍّ منهما ميزاته « 2 » ، إلّا أنه لاحظ وجود ثغرتين في كلا التقسيمين المقترحين انسجاماً مع نتائجه الأصولية الخاصة ، فهو من جهةٍ يرى أن مباحث القطع ليست
هامش
( 1 ) بحوث في علم الأصول ، مصدر سابق : 56 ، 57 .
( 2 ) يراجع حول تقسيمه قدس سره كلّ من بحوث في علم الأصول 1 : 55 - 62 ، تمهيد في مباحث الدليل اللفظي 1 : 115 - 125 ، مع بعض الاختلافات بين التقريرين وقد اعتمدنا أكثر على الأوّل منهما .