الأمر الذي يترك مجالا للقول بوجوب الجمع بين العقوبة والتدبير الاحترازي أو خلق تدبير مختلف يجمع بين خصائص العقوبة وخصائص التدبير ، وهي أمور تتطلّب لتطبيقها تعديلا تشريعيا وأمّا قبله فلا يملك القضاء سوى تخفيف العقوبة في نطاق حدها الأدنى « 1 » .
قلت : فرق واضح بين القبح الفعلي والقبح الفاعلي ، فقد يقتل أحد شخصا مؤمنا بزعم أنّه كافر ملحد مفسد في الأرض وقد يكرم شخصا مفسدا محاربا بزعم أنّه مؤمن مخلص ففي الفرض الأوّل الفعل قبيح أي ذو مفسدة كبيرة ، غير تابعة لعلم الفاعل وجهله ، لكنّه غير قبيح فاعلي ؛ إذ فاعله لم يقصد إلّا الخير وقوام الحسن والقبح العقليّين - أي استحقاق المدح والذم - بالعلم ومع الجهل لا حسن ولا قبح في حق الفاعل والآثار الدينيّة قد تترتّب على الحسن الفعلي وقبحه وقد تترتّب على الحسن الفاعلي وقبحه ، ومن الأوّل الضمانات بإتلاف أموال الناس ومن الثاني الثواب والعقاب الأخرويّين وزوال العدالة ، وفي كلّ مورد لا بدّ من ملاحظة أدلّته العامة أو الخاصّة .
وقيل : في الدراسات القانونيّة العربيّة أنّ المجنون غير مسؤول عن جرائمه ، وإنّما المسؤول عن جبر إضرارها هو الشخص المكلّف بملاحظته ورقابته ، وأنّه حين يلزم بالتعويض لا يرجع بما يؤدّيه على مال المجنون ، على خلاف ما تقتضي به القواعد العامّة « 2 » .
وقيل أيضا : ثم إنّهم اختلفوا كذلك في التفرقة بين المجنون والمعتوه ، فرأى بعضهم أنّ العته يختلف عن الجنون وهو قسيم له ، لأنّه لا يصحبه - عادة - هياج واضطراب ، وقد يكون معه تمييز وقد لا يكون ، أو أنّه - العته - لا يزيل العقل بالكليّة ، وان كان بقاء أصل العقل لا يجعل صاحبه يصل إلى درجة العقل الكامل ، فهو عبارة عن نقص العقل ، بخلاف الجنون فإنّه قد يصل إلى فقد العقل نهائيا .
ورأى آخرون أنّ العته حال من أحوال الجنون وشعبة من شعبه ، فكلاهما لا يكون معه تمييز بين الخير والشر ولا يكون معه معرفة الغائب من الشاهد ولا تقدير الأمور في المستقبل بما يراه من نتائج أمثالها الواقعة « 3 » .
السفه والغفلة لا ينشئان عن مرض عقلي ولا يخلّان بالعقل من الناحية الطبيعية وإنّما
هامش
( 1 ) . نفس المصدر ، ص 408 .
( 2 ) . نفس المصدر ، ص 409 .
( 3 ) . نفس المصدر ، ص 402 .