قبله ، ولا والد ، ولا جدّ له ، هو فساد العقل بأيّ جهة كان ، ومن أيّ سبب حصل .
قال الكاتب الفاضل المذكور : « وأمّا السفه : فالظاهر من تعريفات أهل اللغة والفقهاء إنّ السفاهة مرض عقلي . وعرّفوها بأنّها خفّة العقل ونقصانه بالمقارنة مع قوى الإدراك والتمييز المألوفة والموجودة عند عامّة الناس ، والتي يستخدمونها في حياتهم العمليّة ، فالجنون فساد العقل ، والسفه خفّة العقل ونقصه » « 1 » .
قلت : لكنّ السفه محتاج إلى تحديد دقيق علمي ، وإلّا فلا يزال في صدقه على جملة من الموارد محلّ شكّ .
ثم إنّه نسب إلى المشهور المعروف أنّ السفه غير الجنون ، وأنّ مفهوم السفيه مقابل لمفهوم المجنون وليس السفه قسما من الجنون بحيث تقول : إنّ فساد العقل يندرج فيه أمران : الجنون والسفه .
والحقّ أنّ السفيه عاقل قابل للخطاب ، ومكلّف بجميع الأحكام ، ولا يترتّب على السفه سوى حجر صاحبه ، وهو المنع عن التصرّف المالي في الجملة ؛ إذ لا ملكة له يصلح بها المال حفظا وتصرّفا ، ومقابله الرشيد . كما في القرآن :
فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ
. وفيه أيضا : فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا ( وقد يفسّر الضعيف بالصبيّ أو الكبير الخرف الذي لا يفهم ما يقول ) .
وقد يقال بعدم اختصاص السفه بباب الأموال ، كمن لم يكن عنده ملكة إصلاح الأولاد ، أو الزوجة ، أو إصلاح الناس ، فلا بدّ من حجره من الولاية عليهم . وهذا النقد يستحقّ الالتفات في ضوء الإطلاق أو العمومات في مقابل بناء العقلاء ، فلاحظ وتأمل .
وأمّا الخرف : فقد نسب إلى الفقهاء أنّه فساد العقل من الكبر « 2 » .
قلت : لا خصوصيّة للسبب ، إنّما الكلام في فساد العقل ، فإن كان بحيث لا يبقى لصاحبه فهم وتمييز ، فهو غير مكلّف وإن بقي له فهم وتمييز وإن ضعف عقله ، فهو مكلّف وإنّ خفّ عقابه في الآخرة .
هامش
( 1 ) . المشاورة البلدانية ، ج 1 ، ص 274 .
( 2 ) . نفس المصدر ، ج 1 ، ص 280 .