الندب « 1 » ولو قلنا بالوجوب ، كما قال الشافعيّة بوجوب عصب محل الفصد إن قطع بإفادته ، فليس منه إلزام المريض جينه العلاج الجيني وقاية لمرض وراثي يصيب ذرّيّته ، أو غيرهم في المستقبل القريب أو البعيد على سبيل الاحتمال أو الظنّ الغالب ، فلا إلزام شرعيّا على المسلم يقي غيره مرضا قد يصيبه بسببه . لكن إن يفعل ذلك ندبا ، فهذا أولى له لنفسه أوّلا ولغيره ثانيا : « 2 » ، « 3 »
وإنّما يأتي الإلزام هنا من وليّ الأمر ، فمن واجب وليّ الأمر أن يعزل أصحاب الأمراض المعدية « 4 » لقوله تعالى :
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
، ولقوله صلّى اللّه عليه وآله عن الطاعون : « إذا سمعتم به بأرض فلا تقدّموا عليها ، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه » متّفق عليه . ولوليّ الأمر أن يلزم بالمباح ابتناء على المصلحة العامّة ؛ إذ هي مقدّمة على المصلحة الخاصّة ، وإن ألحق الإلزام الضرر ببعض الأفراد ؛ لأنّه ضرر خاص فيقدّم عليه الضرر العامّ ، فيتحمّل الضرر الخاصّ لدفع الضرر العامّ .
وعليه ، فيتعيّن على وليّ الأمر الإلزام بالعلاج الجيني لحامل المرض أو المتوقّع حمله ، وسراية مرضه في نفسه وإلى عقبه . وليس هذا على إطلاقه حتى لا يكون الإلزام تحكّما وتضييقا على حرّيّة الناس ، فيكون الإلزام في الأمراض الوبائية ، أو الشائعة المستعصية التي قد تنتقل بالوراثة ، كأمراض السرطان وأمراض القلب ، وتشوّهات الأجنّة ونحو ذلك ممّا يعيق الحياة السويّة ، ويجعل المصاب عبئا على نفسه وأهله ومجتمعه .
أمّا ما كان من المرض من باب التحسينات والتكميلات : فلا حكمة في الإلزام به . والأطبّاء المختصّون هم المعنيون بتحديد العلاج الجيني الضروري من غيره .
من له حقّ الإذن في العلاج الجيني :
إذن العلاج الجيني يرجع في الأصل إلى صاحبه سليما كان أو مريضا ما دام متمتّعا بأهليّة
هامش
( 1 ) . تقدّم في الجزء الأوّل وجوب التداوي في الأمراض المهمّة مع احتمال البرء منها .
( 2 ) . لا بأس بما ذكره في الجملة ؛ لعدم دليل على وجوب مثل هذا التداوي ، لكن إذا علم بخطورة المرض يجب التداوي حفظا لنفسه ، وأمّا وجوب التداوي لأجل حرمة تسبيب الإضرار بالغير - وهو ولده غير الموجود فعلا - ففيه وجهان .
وجه التردد هو التردد في حرمة مثل هذا الإضرار ، والاحتياط الواجب في المعالجة وعدم إيجاد ولد مريض .
( 3 ) . نفس المصدر ، ص 567 و 568 .
( 4 ) . فإنّه مقتضى ولايته ولكنّ الآية المباركة لا تعلّق لها بالمقام ، وأمّا الحديث : ففيه بحث سندا ومتنا .