8 بحث فقهي
قيل : الأصل في الشريعة أنّ الإنسان مكلّف ومسؤول عمّا يصدر عنه ، أو يتسبّب به من الأفعال ، بحيث ينسب إليه الفعل مباشرة وتسبيبا ، بل لو كان تسبّبا بالترك ، ولقد قرّر المالكيّة والشافعيّة والحنابلة أنّ من يترك شخصا يستسقي فلم يسقه حتى مات عطشا كان ذلك قتلا إن ثبت قصد ذلك .
وقال المالكية : « إنّ الأمّ إذا منعت ولدها الرضاع حتى مات فقد قتلته إن قصدت ذلك » . هذا إذا كان الترك في ذاته جريمة ، ومن الفقهاء من قرّر أنّ المقصود هو الترك الذي يؤدّي إلى جريمة ، ولا يعدّ الترك في ذاته جريمة إذا لم يكن الفعل واجبا وإن أدّى إلى القتل . إنّما يعدّ الترك موجبا لعقاب الجريمة التي تترتّب عليه إذا كان الترك في ذاته ترك واجب ، وقد أدّى ترك الواجب إلى جريمة أخرى إيجابيّة هي القتل مثلا ، فيكون على التارك إثم الترك ، وعقوبة الجريمة التي ترتبت عليه « 1 » .
ويخرج عن هذا الأصل العلاج الجيني ؛ إذ بابه التداوي ، والتداوي مبناه على الإباحة أو
هامش
( 1 ) . في الفقه عنوانان : أحدهما : قتل النفس المحترمة ، وهو من الكبائر الموبقة ، وعلى المتعمّد القصاص والكفّارة ، وعلى شبيه المتعمّد الدية في ماله ، وعلى الخاطئ المحض ، الدية على عاقلته ، وعلى القاتل أيضا كفارة مرتبة كما أنّها على المتعمّد كفارة جمع . ثانيهما : وجوب حفظ النفس المحترمة وإن لم ينسب تلفه إلى المكلّف مباشرة وتسبيبا ، كما رأى مسلما في معرض التلف لمرض أو فقر أو لجهة أخرى ، فيجب عليه حفظه كفائيّا ولا شكّ في دخول المثالين المذكورين في المتن في العنوان الأخير ، وأمّا دخولهما في العنوان الأوّل : فموضع تردّد ، ويمكن إدخال المثال الثاني ( الأمّ والرضيع ) في العنوان الأوّل دون المثال الأوّل .
قال في الجواهر في ضمن كلام له ( ج 42 ، ص 19 ) : . . . إذ ليس في شيء من الأدلة عنوان الحكم بلفظ المباشرة والسبب ، وإنّما الموجود « قتل متعمّدا » ونحوه ، فالمدار في القصاص مثلا على صدقه . نعم ، ما لا يحصل فيه الصدق المزبور يحتاج إلى الدليل في ضمانه القصاص أو الدية . ولاحظ الجواهر ، ج 37 ، ص 46 - 54 أيضا . ولاحظ دليله في كتابنا حدود الشريعة ، ج 3 ، حرف ح ، مادّة الحفظ .