الاشتباه الجنائي ، ويكون قد مرّ أسبوع مثلا على تشخيص موت المخّ واستمرّ المتوفّى على جهاز التنفّس الصناعي إلى أن توقّف القلب ، ويسمي أطبّاء علم الأمراض والطبّ الشرعي هذه الحالة بمخّ جهاز التنفس الصناعي
( The respirator brain )
وقد حضرت بنفسي بعضها ، فعند فتح الجمجمة ينسكب من تجويفها قطع مهترئة شبه سائلة ، وأحيانا سائل أبيض ، وهو كلّ ما تبقى من المخّ بعد أن تحلّل تماما وقد توقّفت الدورة الدموية عنه لفترة طويلة .
إذن أصبح واضحا أنّ هناك ما يسمّى بموت المخّ ، وأنّ هذا لا يتعارض مع وجود بقيّة الأعضاء لو لم يكن المصاب قبل موت مخّه متّصلا بجهاز التنفّس الصناعي بالفعل ؛ لأنّ تلف جذع المخّ يستتبع توقّف التنفّس الصناعي أو التلقائي ، وبالتالي توقّف الأكسجين عن جميع الأعضاء وتلفها بما في ذلك عضلة القلب ، فتموت كلها دفعة واحدة مع موت المخّ ولهذا لم يعرف موت المخّ كتشخيص قبل وجود أجهزة التنفّس الصناعي في أقسام العناية المركّزة منذ بداية الستّينيات تقريبا .
بقي أن نوضح هنا أنّ تشخيص موت المخّ لا ينطبق عند توفّر الشروط الإكلينيكيّة في مرضى أمراض المخّ والأعصاب على إطلاقها ، بل لا بدّ أن تستبعد جميع أمراض التهابات المخّ والأعصاب ، والمرضى تحت تأثير العقاقير والسموم ، وأمراض التمثيل الغذائي ، كغيبوبة السكر والكبد والبولينا ، وكل غيبوبة غير معروف سببها ، وكذلك الغيبوبة الناجمة عن انخفاض درجة الحرارة نتيجة البرد الشديد ، وفي مثل هذه الحالات تحدث أعراض مشابهة ، ولكنها تكون قابلة للشفاء أحيانا بالعلاج المناسب ، ويجب أن لا نخلط بينها وبين موت المخّ الحقيقي نتيجة إصاباته الشديدة ، وتلف خلاياه المنضغطة داخل حيّز الجمجمة المحدود .
لقد واجه الأطبّاء في بداية الأمر هذا الموقف الطبّي الجديد لسنوات طويلة لم يقبلوا فيها مفهوم موت المخّ بسهولة كنهاية للحياة الإنسانيّة قبل دراسات مستفيضة في المملكة المتّحدة وغيرها من بلاد العالم المتقدّمة ، والتي لها الزيادة في مجال الطبّ ، تحدّث عنها الدكتور عصام الشربيني في جلستنا السابقة عن بداية الحياة ونهايتها في المفهوم الإسلامي ، حيث شرح دور المؤسّسات الطبيّة في بريطانيا حيث تمّت متابعة 700 حالة شخّصت موت المخّ طبقا للبروتوكولات أو الشروط الموضوعة فلم تعش منها حالة واحدة ، كما تمّت أيضا دراسة عكسية لعدد 1200 حالة من حالات الغيبوبة الشديدة التي استمرّت في الحياة لمدّة ثلاثة أشهر بعد إصابة المخّ ، فوجد أنّ أيّا منها لم تستوف على الإطلاق شروط موت المخّ المعتمدة ،