وفي النهاية استقرّت هذه الشروط وقد أجمعت عليها الهيئات الطبيّة البريطانية ، وأصبح معمولا بها منذ عام 1976 م .
هل يمكن أن يعود للحياة من مات مخّه ؟
إنّ من يعلم عن وظائف المخّ أو طبيعة عمله ، لا يمكن أن يظنّ مثل هذا الظنّ ، فمن المبادئ الأساسيّة في علم الأمراض العصبيّة بصفة عامّة أنّ خلايا المخّ لا يمكن أن تتجدّد إذا تلفت ، وكلّنا نعرف أنّ من تلف عصبه البصري تماما يبقى أعمى مدى حياته ، وأنّ قطع النخاع الشوكي ( الحبل الشوكي ) في الحوادث نتيجة كسر العمود الفقري الصدري ينتهي بالإنسان أن يصير مقعدا ، فإذا كانت الإصابة في الفقرات العنقيّة أصيب بالشلل في أطرافه الأربعة ، وكلّها تستمرّ مدى الحياة ، بل إن قطع النخاع في الفقرات العنقية العليا ( الفقرة الثالثة العنقية مثلا ) لا يصاب صاحبها بالشلل الرباعي فقط ، بل يتوقّف أيضا تنفّسه التلقائي نهائيا ، ويحتاج للتنفّس الصناعي مع كونه في كامل وعيه ، فيعيش في أقسام العناية المركّزة ما بقي له من حياة ، وفي هذه الحالة الأخيرة ، وبالرغم من كونه في حالة وعي كامل ومخّه سليم إلّا أنّ الغالبية العظمى تموت حيث إنه يصعب على الإنسان الحياة في حالة رقاد دائم ، ولسنوات على أجهزة التنفّس الصناعي نتيجة تعرّضه لمضاعفات لا حصر لها .
لقد أثار انتباهي منذ بداية دراستي لجراحة المخّ أن جميع أعضاء الجسم يمكن الاستغناء عنها أو استبدالها بينما لا يمكن استبدال مخّ الإنسان ، ولا يخطر ذلك على بال أحد ، بل إنّ جميع أطراف الجسم يمكن أن تبتر ويظلّ الإنسان موجودا حتى بعد استئصال نصف المخّ ( أحد النصفين الكرويين )
( Hemispherectomy )
وهي جراحة نادرة تجرى أحيانا في بعض حالات الصرع في الأطفال ، بينما إذا لم يكن الفريق الجراحي في جراحات المخّ على حرص شديد ؛ لعدم تعرّض جذع المخّ أو شرايينه ولو لبعض الضغط الخفيف أثناء الجراحة ؛ فإنّ ذلك يتبعه صعوبة في إفاقة المريض قد تمتدّ لأكثر من أسبوع ، وقد ولّدت هذه الملاحظات عندي الاعتقاد ليس فقط بأنّ المخّ هو أهمّ عضو في جسم الإنسان ، بمعنى أن لا حياة بدونه ، وأنّه لا يمكن استبداله ، بل أصبحت أميل إلى الاعتقاد بأنّ جذع المخّ يرتبط بسرّ حياة الإنسان ، ففيه يكمن وعي الإنسان فهو الجزء من الإنسان الذي ينام ويصحو ، وأنّ مخّ الإنسان الحيّ هو الإنسان ذاته ، وأنّ جميع الأعضاء الأخرى خلقت لتقوم على خدمة هذا السيّد من توفير طلباته