واستدلّ بعضهم عليه بأنّ موت الأمّ به موهوم ، فلا يجوز قتل آدمي لأمر موهوم .
لكن اللجنة العلمية للموسوعة الفقهية التي تصدر عن وزارة الأوقاف في الكويت أفتوا بأنّ الحفاظ على حياة الأم أولى بالاعتبار من بقاء الجنين ؛ لأنها الأصل ، وحياتها ثابتة بيقين ، ولأنّ بقاء الجنين سيؤدّي غالبا إلى وفاته بموت أمه « 1 » .
أقول : وقد ذكرنا قبل عشرين سنة تقريبا في كتابنا حدود الشريعة ( ج 3 ص 214 إلى ص 216 ) جواز قتل الجنين للأم والطبيبة حفاظا على حياة الأم وذكرنا دليله هنا فراجعه إن شئت ، ولا أدري هل به قائل منّا أو لا ، وإن كان بعض العلماء الذين أدخل كتابي - حدود الشريعة بتمام أجزائه - في موسوعته الفقهية مع الاختصار « 2 » ، اختاره ، وقد استدلّ هو عليه بوجهين آخرين أيضا لا يخلو بعض كلامه عن إشكال أو منع عندي « 3 » .
وأمّا المورد الثاني ، فإن كان في رفع صحة الأم حرجا شديدا عليها جاز إسقاط الجنين الذي لم تلجه الروح بعد ؛ لقاعدتي نفي الحرج والعسر ، بل ولقاعدة نفي الضرر ، وأمّا إذا ولجتها الروح فلا تجري تلك القواعد في المقام ؛ لأنّها امتنانية في حقّ جميع المكلّفين ، فلا معنى لإجرائها لنفع بعض وضرر بعض آخر .
أقول : لا مانع من صحّة هذا القول المشتهر بالنسبة لقاعدة نفي الضرر في المقام ، لعدم ذكر ضمير الخطاب فيها ، لا سيما بملاحظة قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : ولا ضرار ، بناء على تفسيره بالاضرار بالغير ، وعليه فلا تصلح القاعدة لنفي الحكم الذي يستلزم ترخيص الإضرار بالغير ، لعدم انعقاد إطلاق له من هذه الجهة . وأمّا بالنسبة إلى قاعدتي نفي الحرج والعسر فلا نسلّمها ، فإنّ في شمول مثل قوله تعالى :
ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
« 4 » ، ومثل قوله :
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ
، للجنين منع واضح ، بل في شموله للأطفال غير المميّزين بل المميّزين إشكال ، فإنّ القدر المتيقّن من الخطاب فيهما ( عليكم - بكم ) هم المكلّفون ، « 5 » ولكن مع ذلك لا يتيسّر الفتوى بجواز إتلافها لصحة أمها لقوله تعالى :
مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ
« 6 » ، وغيره ، واللّه العالم .
هامش
( 1 ) . نفس المصدر ص 259 ولاحظ ص 422 ؛ رؤية إسلامية لزراعة بعض الأعضاء البشرية ص 422 .
( 2 ) . الفقه ج 92 ص 82 .
( 3 ) . نفس المصدر .
( 4 ) . الحج آية 78 .
( 5 ) . تقدم في ص 15 فرق آخر بين قاعدة نفي الضرر ونفي الحرج عن بعضهم فتكون الفوارق بينهما أمور ثلاثة .
( 6 ) . المائدة آية 32 .