والمادة التي يتكوّن منها الدماغ هي عين المادة التي تنشأ منها بقية أعضاء الجسد ونوع الحياة التي تتسبّب في نشوء الجميع واحد ، فإنّ أصل الجنين خلية واحدة ثمّ تتكثّر ، وعليه يلزم أن تكون الوظائف التي تقوم بها مختلف أعضاء الجسم من جنس واحد دون اختلاف تخصصاتها ، وهي وظائف غير إرادية ولا فكرية ؛ لأنها الإرادة ، ويستحيل بحسب سنن الكون وموجوداته أن يتولّد - بصورة آلية - المريد من غير المريد والمفكّر من غير المفكّر .
وما قيل من « أنّ الإرادة والفكر والشعور وغيرها من الأنشطة الإنسانيّة الاختيارية إنّما تنشأ عن الدماغ نتيجة تفاعلات كيميائية وفيزيائية » غير صحيح ؛ فإنّ كلّ تفاعل لا بدّ له من عامل ، فهو إن كان خارجيا يلزم استناد إرادته وأفكاره ومشاعره المختلفة غير اختيارية له ، مع أنّ الماديين لم يستطيعوا - ولن يستطيعوا - ولا مرة واحدة أن يضعوا العناصر والمركبات في أنابيب الاختبار ثم يدفعونها بالتأشيرات المعنوية بدلا من العوامل المادية المعهودة .
وإن كان داخليا فما هو ؟ هل هو مجرد احتكاك الخلايا والأعصاب أم هو مجرّد وصول الدماء إلى عروق الدماغ أم هو شيء آخر ؟ فليكن أيّ شيء فلما ذا تتحدّد ، وتختلف نتائج ذلك التفاعل الكيميائي المزعوم باختلاف الأشخاص من جهة ، وباختلاف الأزمان والساعات والأحوال في الشخص الواحد من جهة أخرى ؟ .
إنّ محتويات الأدمغة واحدة في الأشخاص والأزمان ، وأنشطتهما المادية واحدة ، فلما ذا تتعدّد إذن نتائج التفاعلات التي تحدث فيها ؟ فتتعدّد الأفكار وتتعدّد المشاعر والأحاسيس ، وتتعدّد الاكتشافات ، وتتعدّد المواهب عند الأشخاص ، بل وتتعدّد عند الشخص الواحد في ساعتين . . . .
أقول : ولا تفسير له سوى الإقرار بوجود الروح . . . « 1 » انتهى ما أردنا نقله .
واعلم أنّ الاعتقاد بوجود الروح لا ينقص من أهمية المخّ وعظم عمله ، فلا تغفل .
ويقول طبيب مسلم : « إنّ كثيرا من العلماء ذكروا أنّ المظاهر النفسية كالوعي والإدراك والانفعال والذاكرة والقدرة على التعلّم والاحساس النهائي للذة والألم وكل هذه المظاهر النفسية لم يثبت علميا إلى الآن أنّ مراكزها النهائية موجودة في خلايا المخ . والحقيقة أننا نتعلّم الطبّ حسب المدرسة الغربية التي ينفصل عندها العلم عن الدين ، فهي ترى أنّ المظاهر النفسية
هامش
( 1 ) . رؤية إسلامية لزراعة بعض الأعضاء البشرية ص 127 - 131 نقلنا عنها بعضها القليل مع الاختصار .