ففي ضوء ذلك نقول : إنّ إفراز السائل الأنثوي إذا كان موجبا لجنابة المرأة وجب عليها أن تغتسل كلّما أثيرت جنسيا وشعرت بالبلل الموضعي في فرجها ، وهذا شيء مستبعد تماما :
أمّا أوّلا : فلأنّه يستلزم حرجا بالغا بالنسبة إلى غالب الفتيات الشابات ولا سيما المتزوّجات منهن ؛ لأنه يعني وجوب الغسل على الكثيرات منهن يوميا ، بل وربّما عدّة مرات في اليوم الواحد ، لفرض أنّ أية إثارة جنسية من لمسة أو قبلة أو عناق أو غيرها فضلا عن المباشرة بما دون الفرج ، تكون سببا في إفراز هذه المواد ، وبالتالي تكون موجبة للجنابة .
وثانيا : أنّ هذا السائل يماثل المذي عند الرجل في مكوّناته وفي خروجه بدرجة اعتيادية من الإثارة الجنسية ، ومع ذلك لم يوجب الشارع المقدّس على الرجل أن يغتسل عند خروج المذي منه ، بل لم يوجب عليه الوضوء أيضا ، فكيف صارت المرأة مكلّفة بالاغتسال بإفرازها لهذا السائل ؟ !
وثالثا : أنّه لم يعهد من سيرة النساء المسلمات منذ عهد صاحب الرسالة صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وما بعده في زمن الأئمة المعصومين عليهم السّلام القيام بالاغتسال عقيب خروج هذا السائل الأنثوي ، ولو كنّ يفعلن ذلك لوجدت عليه شواهد كافية فيما بأيدينا من المصادر الروائية ونحوها .
ثمّ أجاب عنه بأنّ البلل الموضعي غير الخارج من فضاء الفرج الذي تحسّ به المرأة عند إثارتها جنسيا لا يوجب جنابتها ؛ لعدم صدق الإنزال عليه ، وهو العنوان المذكور في نصوص المسألة ، وأقصى ما تدلّ عليه الشواهد المذكورة - إن تمّت - إنّما هو عدم جنابتها حتّى مع خروج البلل بمقدار بضع قطرات ، ومعظم الفقهاء القائلين بجنابة المرأة بالإنزال لا يحكمون بجنابتها بمجرد ذلك ، بل يشترطون توفّر بعض الصفات أو الخصوصيات الأخرى بمقتضى بعض الأدلّة الواردة فيها .
ولبّ الجواب وتوضيحه ما ذكره هذا المجيب المدقق بعد أن نسبه إلى جمع من المحقّقين :
وأساسه التنبّه لما مرّ من أنه ليس للمرأة سائل خاص مشابه للسائل المنوي للرجل في شيء من مميزاته المعروفة من خروجه عندما يبلغ قمة التلذّذ الجنسي ، وكون ذلك على وجه القذف ( الخروج بقوة ) ، وتعقبه بالفتور والارتخاء ، وإنّما الذي يحصل عند المرأة هو زيادة في إفرازات غددها التناسلية منذ بدء الإثارة الجنسية ، فتشعر في البداية بمجرّد بلل موضعي فإذا ازدادت الإثارة وتواصلت خرج منها بضع قطرات من هذه الإفرازات ، وتزداد مع استمرار الإثارة واشتدادها حتّى يتبلّل ظاهر الفرج بالسائل الغزير .
الفقه ومسائل طبية — صفحة 454
مساهمون: الشيخ محمد آصف المحسني
ص٤٥٤