والآن يقع الكلام في أن المرأة هل هي كالرجل في وجود المني الخارج عنها أم لا ؟ يمكن أن يدّعى أنّ المرأة لا مني لها ، وأنّ الإمناء وإنزال الماء - كما في تلك الروايات - غير موافق للواقع للخارجي رأسا .
وقد أوضح هذا الإيراد بعض الأعيان من أهل العصر بقوله : فإن الإمناء المنصوص عليه في بعض تلك الروايات هو بمعنى إفراز المني خارج الفرج . والمني هو الماء الذي يكون منه الولد كما نصّ عليه الصاحب بن عباد رحمه اللّه « 1 » . ومن الواضح أنّ المرأة ليس لها مني كمني الرجل ، فإنّ السائل الذي يخرج من مهبلها إنّما هو من إفرازات غدد معينة منبثة في جهازها التناسلي ولا علاقة له بتكوّن الولد أبدا .
وأمّا البويضة التي ينتجها المبيض ويحدث الحمل نتيجة لاختراقها بحويمن الرجل في قناة النفير ، فهي وإن كانت تسبح في نسيج مخاطي من لحظة انطلاقها من المبيض إلى حين وصولها إلى نهاية الثلث الأوّل من النفير لتتخصب بالحويمن هناك ، ولكن من الواضح أنه لا علاقة لانطلاقها بما يحدث للمرأة من حالة التهيج الجنسي ؛ فإنّها تنطلق في كلّ شهر مرّة واحدة .
وقد حدد بعض الأطباء وقته بما بين اليوم الحادي عشر والخامس عشر من بدء الدورة الشهرية « 2 » ، بالإضافة إلى أنّ النسيج المخاطي الذي تسبح فيه لا ينزال إلى خارج الفرج إطلاقا ، فلا يحتمل أن يكون ذلك هو المقصود بالإمناء المذكور في جملة من الروايات المذكورة .
وأمّا « انزل الماء » المذكور في جملة أخرى منها فهو الآخر الذي لا يتحقّق لدى المرأة ؛ لأنّ المقصود ب « الماء » هو السائل الخاص الذي يكون منه الولد ويسمّي بالمني . . . ولو قيل : « إنّ المراد ب « الماء » في نصوص الباب إنّما هو سائل آخر غير ما ورد في هذه الروايات لم يختلف لا حال عمّا ذكر ، فإنّ المرأة لا تنزل أيّ سائل عند بلوغها ذروة اللذّة الجنسية كما يقذف الرجل سائله المنوي عند ذاك ، فلا معنى لما ورد في هذه النصوص من أنه إذا أنزلت المرأة بشهوة وجب عليها الغسل .
والحاصل أنّ الحديث عن إمناء المرأة وإنزالها الذي جعل في هذه الأخبار موضوعا لوجوب الاغتسال عليها إنّما هو حديث عن أمر لا واقع له أبدا فلا بدّ من ردّ علم الأخبار المذكورة إلى أهله بالرغم من صحة أسانيد جملة منها .
هامش
( 1 ) . المحيط ج 10 ص 416 .
( 2 ) . أطفال تحت الطب ص 58 .