أقول : والأحوط الاجتناب عن أكلها ، لكن الأظهر جواز أكلها قبل طلوع الفجر من أيام الصيام ؛ لعدم دليل شرعي على منعه .
وليعلم أنّ المفطر - حسب دلالة الكتاب العزيز - هو عنوان الأكل والشرب فإذا صدق أحدهما وكان عمدا بطل الصوم .
فإذا فرضنا أن الأكل لا يصدق بدون المضغ وأنّه عبارة عن المضغ والبلع معا فلا يبطل الصوم يبلع الخشب والحديدة والحصى ونحوها ، سواء أكان جائزا بلعها أم حراما بعلة الضرر أو الغصب ونحوهما ، فإنّه ليس بأكل .
نعم ، يرد على الفرض المذكور إن بلع حبة من عنب أو رمّان أو قليل من طعام آخر من دون مضغ يصدق عليه الأكل عرفا ، ولا شك أنه مفطر ، فيفهم منه أنّ المضغ غير دخيل في مفهوم الأكل .
لكن إذا فرضنا انصراف لفظ الأكل إلى المأكولات المتعارفة المعتادة - كما هو غير بعيد - لم يبطل الصوم بأكل التراب والمدر والحصى وغيرهما ، ممّا هو غير معدّ لأكل الإنسان ، وإن نقل عن المشهور المدّعى عليه الإجماع إبطال الصوم بأكلها .
ويؤكد الانصراف المذكور صحيح محمّد بن مسلم - بطريق الشيخ عند المشهور - قال :
سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول : « لا ( ما - خ ) يضرّ الصائم ما صنع ، إذا اجتنب ثلاث خصال : الطعام والشراب ، والنساء ، والارتماس في الماء « 1 » » .
فإن ظاهر الحصر المستفاد منه أنّ المضرّ هو أكل الطعام لا كلّ مأكول . وكذا لا يصدق على امتصاص بلّة الخيط والمسواك عنوان الشراب والشرب .
نعم ، الأحوط - لزوما - عدم مخالفة المشهور في مقام العمل .
وعن العلّامة الحلّي قدّس سرّه بطلان الصوم بإيصال الدواء إلى الجوف - ولعلّه يريد به الحلق - وكذا بتقطير المائع في الأذن وقيل ببطلانه بالصبّ في الإحليل ، والأقوى صحة الصوم ؛ إذ لا دليل على بطلانه بمجرّد وصول شيء إلى المعدة وباطن الإنسان ، إذا لم يصدق عليه الأكل أو الشرب كما هو مدلول الروايات المعتبرة « 2 » .
هامش
( 1 ) . التهذيب ج 14 ص 267 برقم 267 وأسقط جامع الأحاديث كلمة « النساء » سهوا ج 10 ص 370 ، وفي بعض نسخ التهذيب : « أربع خصال » .
( 2 ) . لاحظ الوسائل أبواب 5 ، 6 ، 22 و 24 من أبواب ما يمسك عن الصائم .