على نفسه الهلاك إن لم يستعمل الدم ، فالضرورات تبيح المحظورات . . . فإذا بلغ الحال بالمريض إلى خوف التلف على نفسه جاز نقل الدم له ، بل ربّما يجب لإنقاذ نفسه « 1 » » .
أقول : الثابت من الكتاب العزيز والأحاديث هو حرمة أكل الدم أو شربه وحده دون ساير الاستعمالات والتصرفات ، كحمله أو النظر إليه مثلا ، فحرمة الدم هو حرمة أكله حسب انصراف اللفظ وفهم العرف جزما ، فالإفتاء بحرمة نقل الدم إلى جسم إنسان آخر في فرض عدم الاضطرار غلط وإفراط « 2 » .
وبعبارة دقيقة : أنّ الأعيان الخارجية لا يصحّ اتصافها بأحد من الأحكام الخمسة ، وإنّما هي موضوعات للأحكام ، والأحكام لا بدّ لها من متعلّقات ، وهي من أفعال المكلّفين ، كالأكل والنكاح والنظر والتوهين والتعظيم ونحوها .
فحرمة الأمهات راجعة إلى نكاحهنّ دون تقبيلهنّ ، وحرمة الدم تتعلّق بالأكل وهكذا ، وكأنّ هذا غير خفيّ على العوام فضلا عمّن يدّعي العلم .
والثابت من الأحاديث عدم جواز استعماله فيما يعتبر فيه الطهارة ، فلا يجوز الصلاة والطواف في لباس فيه دم نجس ولا بدّ في طهارة البدن واللباس من الدم في الصلاة والطواف ، ومن طهارة ما يؤكل وما يشرب منه ، وعليه فيجوز الانتفاع بالدم في غير ما ذكر بكلّ وجه في حال الاختيار ، اعتمادا على أصالة البراءة .
وأمّا جواز أكل الدم والميتة ولحم الخنزير وما أهلّ به لغير اللّه وزوال حرمته ، فهما ينشئان من الاضطرار .
وهنا سؤال معقّد ، وهو أنّ مقتضى قوله تعالى :
ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
هو جواز ارتكاب المحرّمات عند الحرج دون الاضطرار . ومقتضى قوله تعالى :
وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ
« 3 » أنّ رافع الحرمة هو الاضطرار دون الحرج فيقع التنافي بينهما ؛ بناء على عدم ترادف الاضطرار والحرج .
والجواب إمّا أن نقول باختصاص رافعية الاضطرار بحرمة الأشياء المذكورة - أي الميتة
هامش
( 1 ) . نفس المصدر ص 96 .
( 2 ) . ويدلّ على هذا الانصراف أيضا قوله تعالى : فمن اضطرّ في مخمصة بعد قوله تعالىحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ( المائدة آية 3 ) فإنّ كلمة « مخمصة » أي مجاعة تدلّ بوضوح على أنّ المراد من حرمة الميتة والدم ولحم الخنزير هو أكلها فقط .
( 3 ) . الأنعام آية 119 .