آخر ، فلاحظ وتأمّل .
وحديث نفي التقية في مورد الدم ربّما يشهد لهذه الدعوى ولو بتنقيح المناط ، فلاحظ .
وهنا طريق آخر ، وهو أنّ المقام داخل في دوران الأمر بين المتزاحمين ، وهما حرمة قتل النفس المحترمة ووجوب حفظ النفس أو حرمة إلقائها في التهلكة ، فيكون المكلّف مخيّرا بينهما وإن لم يبعد أهمية الأولى من الثانية بشهادة بعض الآيات والأحاديث ، كقوله تعالى :
مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً
، وقوله تعالى :
مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها
فلا يجوز قتل الغير وإن علم بقتل نفسه من قبل المكره ( بالكسر ) .
نعم ، المكلّف المكره - بالفتح - أيضا مؤمن ، بل ربّما يكون أقوى إيمانا وأكثر علما وخدمة للمسلمين ، وكل ما ورد في ذمّ قتل المؤمن وعقابه فهو شامل ملاكا ومناطا لقتل المكلّف نفسه أيضا ، وإن لم يشمله لفظا فالحكم هو التخيير .
من قطع بذلك فله الحكم بالتخيير ، ومن لم يقطع به فليقدّم حفظ نفس الغير على نفسه ، واللّه العالم .
وأمّا الجواب عن السؤال الثاني فهو عدم ثبوت وجوب حفظ نفس الغير المحترمة بهذا الحدّ ، كما ذكرناه في الجزء الثالث من كتابنا حدود الشريعة في مادة الحفظ « 1 » ، بل الظاهر نفيه بأدلّة العسر والحرج ، والسيرة أيضا تؤيّده ، فلاحظ .
يقول صاحب جواهر الكلام : وكذا لا يجوز للإنسان أن يقطع جزءا منه للمضطر وإن قطع بالسلامة ، إلّا أن يكون المضطر نبيّا وإن قطع بالسراية ، واللّه العالم « 2 » .
وأمّا الجواب عن الثالث ، فهو أنّه لا يجوز التصرّف في مال الغير من دون رضاه إلّا في فرض الخوف من التلف ، فيجوز مع الضمان ولو بالقوّة ودفع المالك غير المضطرّ .
وبعبارة أخرى اضطرار المكلّف إنّما يؤثّر في نفي الحرمة التكليفية فقط إذا لم يكن المالك نفسه مضطرا إلى ماله ، دون نفي الحكم الوضعي من الضمان وملكية الناس لأموالهم ، وينشأ منه وجوب أداء المال الذي أتلفه عند التمكّن .
هامش
( 1 ) . وجوب حفظ نفس غير المحترمة كأنّه مسلّم بين المذاهب ، فانظر رؤية إسلامية لبعض المشاكل الصحّية ج 2 ص 799 وحدود الشريعة في محرماتها ج 3 .
( 2 ) . جواهر الكلام ج 36 ص 443 .