أقول : وهذا هو الذي اخترته وقلت : إنّه لا يحرم إذا لم يتحقّق فيه التدليس .
واعلم أنّ التدليس غير محرّم لذاته وإنّما يحرم لأجل الإضرار بالغير ، فلا بأس به في غيره كما في الهبات والضيافات وبغرض حفظ الوقار والمقام عند الناس ، وأيضا لا يصدق التدليس بفعل يوجب مجرّد رغبة المشتري والخاطب مع علمهما بحقيقة الحال ، وإلّا فيحرم مطلق التزيين كلبس اللباس الملوّن وتسريح الشعر وقصر اللحية للرجال ونحو ذلك ، على أنّ جملة ممّا مثّلوه للتدليس فهو من أفراد التزيين في هذه الأزمان ، بل في كثير من الأزمنة السابقة لعلم الرجال والنساء بالحال .
وكأنّ الفقهاء كانوا منعزلين عن هذه الأشياء والأعمال وأهلهما فظنّوها من التدليس . وعلى كلّ تشخيص الموضوع موكول إلى العرف ولا عبرة بنظر الفقيه « 1 » .
وعن المالكية والظاهرية أنه التغيير ، فالتدليس بتغيير خلق اللّه « 2 » .
أقول : أمّا التدليس فقد عرفت حرمته فهو صحيح ، وأمّا تغيير خلق اللّه فصدقه على وصل الشعر ممنوع جدا ، وإلّا لحرم قصره ولو جزئيا على المرأة وعلى الرجل ، وهو كما ترى واضح البطلان ، وكذا حرمت إزالة الشعر عن جميع البدن .
والاعتذار عن جواز ذلك بالتخصيص الشائع في الأحكام باطل ؛ فإنّ تخصيص العمومات وتقييد المطلقات وإن كان أمرا شائعا في الفقه غير أنّ ذلك مخصوص بما لم يأب العموم عن التخصيص كما في المقام ؛ فإنّ قوله تعالى :
وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ
لا يقبل التخصيص ، فإنّ معناه أنّ أمر الشيطان في إزالة الشعر يجوز اتّباعه ! ولا شيء من أمر الشيطان بجائز الاتباع ، فافهم فإنه دقيق وبالتأمل يليق .
والحقّ أنّ الآية من المتشابهات فإنّ كثيرا من الأفعال الجائزة عند المسلمين يعدّ من تغيير الخلق ، ولا يلتزم أحد بحرمتها فيلزم تخصيص الأكثر المستهجن وهو قبيح ، ولا يصدر عن الحكيم ، كما قرّر في أصول الفقه .
نعم ، إن قلنا بأنّ المراد بخلق اللّه ، دين اللّه - كما رجّحناه سابقا - زال التشابه عنها .
وعن الحنفية أنّه التدليس باستعمال جزء من الآدمي ، فلا يجوز الانتفاع بأجزاء الآدمي ؛ لكرامته ، بل يدفن شعره وظفره وسائر أجزائه المنفصلة .
هامش
( 1 ) . لاحظ مادة التدليس في مكاسب الشيخ الأنصاري قدّس سرّه ص 21 و 22 .
( 2 ) . الرؤية الاسلامية لبعض الممارسات الطبيّة ص 472 .