وعن موضع من التهذيب : « كلّ شيء يكون منه حرام وحلال . . . « 1 » » .
لكن الحديث لا يدلّ على المراد :
أمّا أوّلا : فلاختصاصه بالشبهات الموضوعية ظاهرا دون الشبهات الحكمية ، التي منها المقام كما هو غير خفي .
وأمّا ثانيا : فلأنه من جملة ما دلّ على أصالة البراءة ، وهو أصل ينفي الحكم وليس بمثبت لحكم تكليفي ولا لحكم وضعي كما في المقام ، حيث يراد إثبات الملكية الاعتبارية .
فإن قلت : البراءة تنفي العقاب بأخذ الثمن وأكله - وهذا هو المقصود - وإن لم تثبت الملكية .
قلت : استصحاب عدم انتقال مال المشتري مقدّم على البراءة ، وهو يقتضي حرمة التصرّف في المال المذكور .
إذا بلغ الكلام إلى هنا فينبغي أن ندع الأصول العملية ونتمسّك باطلاق ما دلّ على صحّة البيع والتجارة ، كقوله تعالى :
أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا
« 2 » ، وقوله تعالى :
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ
« 3 » ، ولا يعتبر في المبيع إلّا التمول أو الملك .
قال الشيخ الأنصاري - قدس اللّه روحه الطيبة - في بحث شرائط العوضين من مكاسبه :
يشترط في كلّ منهما كونه متمولا ؛ لأنّ البيع - لغة - مبادلة مال بمال ، وقد احترزوا بهذا الشرط عمّا لا ينتفع به منفعة مقصودة للعقلاء محلّلة في الشرع ؛ لأنّ الأوّل ليس بمال عرفا كالخنافس والديدان . . . والثاني ليس بمال شرعا كالخمر والخنزير ، ثمّ قسموا عدم الانتفاع إلى ما يستند إلى خسّة الشيء كالحشرات ، وإلى ما يستند إلى قلّته كحبة حنطة ، وذكروا أنّه ليس مالا وإن كان يصدق عليه الملك ؛ ولذا يحرم غصبه إجماعا . . ، والأولى أن يقال : إنّ ما تحقق أنّه ليس بمال عرفا فلا إشكال ولا خلاف في عدم جواز وقوعه أحد العوضين ؛ إذ لا بيع إلّا في ملك ، وما لم يتحقّق فيه ذلك ، فإن كان أكل المال في مقابله أكلا بالباطل عرفا فالظاهر فساد المقابلة ، وما لم يثبت فيه ذلك فإن ثبت دليل من نصّ أو إجماع على عدم جواز بيعه فهو ، وإلّا فلا يخفى وجوب الرجوع إلى عموم صحّة البيع والتجارة . . .
ثمّ إنّهم احترزوا باعتبار الملكية في العوضين من بيع ما يشترك فيه الناس كالماء والكلا والسموك
هامش
( 1 ) . التهذيب ج 7 ص 226 ، نسخة الكومبيوتر .
( 2 ) . البقرة آية 275 .
( 3 ) . النساء آية 29 .