وقد يمكن أحيانا أن يعود القلب للعمل ويبدأ التنفس الذاتي في العمل من جديد - في الدقائق اليسيرة - ويعود الإنسان إلى وعيه ، ففي هذه الفترة الحرجة التي يعتبر الإنسان فيها ميتا بكل المقاييس الاكلينيكية الطبّية ، ولكنه بالفعل لا يكون ميتا ؛ لأنّ مخّه ومن ثم معظم أعضاء الجسم لا زالت حيّة .
وقد يعود القلب والتنفس للعمل بعد فترة الدقائق الأربع ، بعدد من الثوان ولكن قشرة المخ الحسّاسة قد تكون تلفت جزئيا أو كليا على حين تستمر أجزاء المخّ الأخرى ومنها جذع المخّ في العمل ، وقد يحدث هذا التلف نفسه نتيجة هبوط شديد في ضغط الدم لفترة طويلة حتّى بدون توقف القلب والتنفس ؛ وذلك لوصول الغذاء للمخ بكميات غير كافية في هذه المدة ، وقد يحدث ذلك نتيجة إصابة شديدة غير مميتة للمخ ولا علاج حينئذ ، فخلايا المخّ التي تموت لا يمكن تعويضها .
وفي حالة فقد كامل للوعي يستمر هذا الإنسان في حياة جسدية مدة حياة كاملة على هذا الوضع بالرعاية الطبّية ويتنفّس ذاتيا ؛ لأنّ جذع المخّ سليم ، لكن مثل هذه الحياة لا يكون إلّا داخل مستشفى ، وهي بالتأكيد كارثة اقتصادية مع انعدام الأمل في عودة المريض إلى وعيه ، وقد شوهد مريض كذلك استمرّت حياته ( 15 ) عاما في أوروبا « 1 » .
وقد يموت المخّ أوّلا فيؤدي إلى وفاة الإنسان حتّى إذا كانت بقية الأعضاء الأخرى بما في ذلك القلب سليمة ، كما في بعض إصابات الرأس الشديدة في حوادث الطرق أو السقوط من أماكن مرتفعة وغير ذلك ، فيموت المخّ بالكامل أو أساسا جذع المخّ ، وطبيعي تبدأ سلسلة الموت في هذه الحالة بفقد الوعي وتوقّف التنفس وانقطاع الأوكسيجين عن الدم ، إنّ الدورة الدموية التي ما تزال تعمل ينقص فيها الأوكسيجين ويتراكم ثاني أوكسيد الكربون ، وبالتدريج تموت بقية الأعضاء الأخرى ، ولا يعود المخّ بتزويد الجسم بالأوكسيجين بواسطة أجهزة التنفس الصناعي ، فإنّ خلايا المخ التالفة لا يمكن تعويضها .
والخلاصة : إنّ توقف القلب عن العمل لا يعني بالضرورة الوفاة - فترة الدقائق الأربع - كما أنّ
هامش
( 1 ) . إذا قلنا : إنه لسلامة جذع مخّه حيّ ومحكوم بالحياة ، لكن لا يبعد أن نقول بعدم وجوب حفظه عن الموت ؛ لأنّ هذا الوجوب لم يدلّ عليه دليل لفظي نتمسك بإطلاقه كما لا يخفى على الخبير المتعمق في الفقه ، ولا يشتبه عليك وجوب حفظ النفس المحترمة بحرمة قتله وبينهما بون بعيد ، وعليه فإذا لم يدفع المال لحفظه - والحال هذه - وقطع الطبيب الآلات الطبّية فمات نهائيا لا يرجع تبعة موته إلى أحد ، فقد أماته اللّه سبحانه وتعالى ، فلاحظ وتأمل ولاحظ ما ذكرنا في ج 3 من كتابنا حدود الشريعة مادة الحفظ ، تعلم أن وجوب الحفظ لا يشمل مثل المقام .