ولو نظرنا بتكبير مجهري داخل المخّ لوجدناه يتكّون من ملايين الخلايا العصبية التي تشبه البطّاريات الكهربائية الصغيرة ، يترجم فيها كلّ شيء من أحاسيس وأفكار ورغبات إلى ومضات كهربائية تحملها أسلاك دقيقة معزولة ، تنتهي إلى أطراف دقيقة تترجم هذه الومضات السابقة إلى طاقات كيميائية تقوم بدورها بتنبيه خلايا أخرى ، وهكذا تستقبل الأحاسيس من سمعية وبصرية وخلافه وتنفذ المهام من فكر وأفعال .
وهنا يجب أن نلاحظ أنّ جميع الأحاسيس الواردة للمخّ وأيضا جميع الإشارات الصادرة عنه لتنفيذ المهام ، تصل منها للعلم إلى مكان معين للمخّ يكون باستمرار على علم تامّ بمجريات الأمور ، وذلك هو جذع المخّ ، وبقول أدقّ : نسيج معيّن داخله يسمّى النسيج الشبكي .
وهذا الجزء له تأثير كبير على أجزاء المخّ الأخرى ، وقد أثبتت البحوث الكثيرة أنّ هذا النسيج الشبكي هو المسؤول عن وعي الإنسان « 1 » وأنّه إذا فقد الإنسان وعيه لسبب أو آخر فإنّ ذلك يحدث ؛ لأنّ هذا النسيج قد تعرّض لضرر ما ، وذلك كالإصابة في الحوادث أو بالتأثير من السموم أو الأمراض .
ويدخل في ذلك التخدير أو تعاطي العقاقير من منوّمة ومهدّئة مهلوسة ، وهو المسؤول عن نوم الإنسان ويقظته . . . ويبدو لنا الآن أنّ هذا هو في الغالب مكمن النفس الإنسانيّة « 2 » .
وعند توقّف القلب عن العمل نهائيا ، لأيّ سبب من الأسباب ، يتبعه فورا فقدان الوعي وتوقّف التنفّس ، وهما وظيفتان من وظائف المخ الذي لا يتحمل توقّف دورته الدموية إلّا لثوان معدودة ، ولو أنّ الخلايا تظل حية لبضع دقائق إلّا أنها تتوقّف في أثنائها عن العمل « 3 » .
وأمّا العضلات والعظام والجلد فقد تستطيع الحياة لمدة ساعات بعد توقّف القلب والدورة الدموية .
هامش
( 1 ) . قيل : يمكن أن يتلف النصفان الكرويان ويستمر الإنسان في الحياة ؛ لأنّ جذع المخّ هو الذي ينظّم التنفّس ، وبالتالي يستمر المريض أو المصاب في الحياة ، وإنّما ذهاب النصفين الكرويين يعني فقده للإحساس وللحركة وللفهم وللكلام وللسمع ، ولكنه كائن حيّ بالحياة الجسدية ، نفس المصدر ص 77 .
( 2 ) . وسيأتي توضيح حول كيفية تعلّق الروح بالبدن عن قريب إن شاء اللّه ، ولا عبرة بتعابير مثل الكمون والمكمن وأمثالها فإنها غير دقيقة .
( 3 ) . لكن نقلت وكالات الأنباء في الشهر السابع من 1996 م أنّ امرأة صينية توقّف قلبها 45 دقيقة إثر اتصالها بالبرق ثمّ رجع قلبها إلى الحركة واحتيت وقال الأطباء : إنه لم ير لحد الآن من رجع إلى الحياة بعد توقف قلبه وجهاز تنفسه في هذا الوقت الطويل . ولاحظ أوّل حاشية في الفصل الرابع جوابا لهذه المشكلة فما ذكرته وكالات الأنباء إنّما يصير مشكلة إذا علم الأطباء توقف القلب لا توقفه عن النبض فقط .