ومن ناحية أخرى : إنّ محاربة اللَّه والرسول الّتي هي القيام بالسلاح في وجه الحكومة الإسلامية مصداق واضح عند العقلاء للإفساد في الأَرض ؛ وإن كان الفساد في الأَرض عنوانا أعمّ منه ، فإن الإقدام بتوزيع الموادّ الأفيونية لابتلاء الناس عامّة بها ، أو السعي في ابتلائهم عامة بمثل الزنا والكبائر والفواحش الأُخرى سعي في الفساد في الأَرض وإن لم يكن معه سيف ولا سلاح .
وحينئذ فذكر المحاربة أوّلا وعطف السعي في الفساد في الأَرض عليه ثانيا في مقام بيان سرّ جعل هذه الأنواع من المجازاة يدلّ على أنّ الدور الأساسي في مقام العلّيّة إنّما هو لعنوان « السعي في الأَرض فسادا » وأنّه هو الموجب التامّ لترتب الأنواع المذكورة من المجازاة عليه ، فإذا تحقق هذا العنوان ولو مجرّدا عن عنوان المحاربة كفى في ترتيب الحدود المذكورة عليه .
إن قلت : هذا إنّما يتم لو اقتصر على عنوان « السعي في الأَرض فسادا » وأمّا إذا لم يقتصر عليه ، بل ذكر أوّلا عنوان المحاربة للَّه ورسوله ثم عطف عليه السعي في الفساد في الأَرض بواو العطف الدالّة على الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه فقد كان مفاده أنّ علّة هذه المجازاة وسرّها اجتماع الأمرين : المحاربة للَّه ورسوله ؛ والسعي في الأَرض فسادا . فلا يكفي في ترتبها مجرد الإفساد في الأرض .
قلت : إنّما كان إلى ما ذكرت سبيل لو كان بين العنوانين تباين ولو جزئيا وامّا إذا كان العنوانان أعمّ وأخصّ مطلقا وكان العطف من باب عطف العام على الخاصّ فلا محالة ليس المقام من باب الجمع بين أمرين بل من باب ذكر ما هو السرّ الحقيقي الواضح العامّ بعد ذكره بمصداق منه خاصّ .
توضيحه : أنّ المخاطب بالآية المباركة والملقى إليهم هذه الآية حيث كان العقلاء وعامّة الناس ؛ فذكر الصلة الأولى أعني محاربة اللَّه ورسوله وإن كان
كلمات سديدة في مسائل جديدة — صفحة 409
مساهمون: الشيخ محمد المؤمن القمي
ص٤٠٩