تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كلمات سديدة في مسائل جديدة — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
واستظهار إرادة الاستقلال من كلّ من الفقرتين مشكل ، بل بتناسب الحكم والموضوع لا يبعد دعوى أنّ المقصود بالفتنة هو ما لا يجتمع وجودها مع أن يكون الدين والطاعة كلّها للَّه ، فلا بدّ وأن ترتفع حتى يكون الدين كلّه للَّه . وبعبارة أُخرى : الفتنة وإن سلّم أنّها مساوقة للفساد ، إلّا أنّ عطف « أن يكون الدين للَّه » بالواو الموضوعة للجمع على ارتفاعها يصير قرينة على أنّ المراد بها قسم خاصّ منها ، وهو ما كان منافيا لأن تكون الطاعة والعبادة كلّها للَّه ، فالمراد بها الإفساد الداعي للناس إلى الخروج عن عبادة اللَّه تعالى كما كان عليه الفراعنة وأئمة الكفر . فحاصل الجهة الأولى أنّ الفتنة الواقعة في الآية المباركة بقرينة ما عطف على ارتفاعها وبقرينة الصحيحة الواردة في تفسيرها يراد بها خصوص الفتنة الداعية للناس إلى الخروج عن توحيد اللَّه تعالى ، فلا عموم فيها لكلّ فساد . الجهة الثانية أنّ مساوقة الفتنة للفساد في الأَرض غير واضحة وذلك أنّ أصلها كما قال به صاحب المصباح المنير والمفردات وأقرب الموارد وغيرهم « إدخال الصائغ للذهب والفضّة في النار وإحراقهما وإذابتهما في البوتقة لتظهر جودتهما وردائتهما » وهو بملاحظة أصل العمل يناسب الإيلام والتعذيب والتضييق الشديد ، وبملاحظة ما يكتسب به يناسب الاختبار والابتلاء والامتحان ، فيكون إطلاقها على الحوادث المزعجة لعامة الناس معنى ادعائيا لها بحسب أصلها وإن لا يبعد نقلها إليه . وعليه فتفسيرها بالابتلاء والتعذيب من قبيل الأخذ ببعض ابعاد معناها ، ولعلّه من باب أخذ المصداق مكان المفهوم . قال صاحب مجمع البيان - ذيل قوله تعالى
وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ
- : « والفتنة أصلها الاختبار ، ثم ينصرف إلى معان : منها الابتلاء . ومنها العذاب كقوله
« جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ »
، ومنها الصدّ عن الدين ؛ نحو قوله
« وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما