تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كلمات سديدة في مسائل جديدة — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
وممّا يشهد لكونه حكما ارتكازيا عقلائيا قوله تعالى حكاية عن فرعون :
وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ
« 1 » . فإن العالي اللّعين استشار الاقدام على قتل الرسول وجعل مبرّره أنّه يخاف عليه تبديل دين الناس أو إظهار الفساد في الأَرض وإبداء هذا المبرّر لا يتمّ إلّا إذا كان ارتكاز مخاطبيه - وهم من العقلاء - على أنّ من يظهر الفساد في الأَرض فهو مستحق لمجازاة القتل بل يجوز قتله إذا خيف منه الإفساد ؛ دفعا لفساده ، وصونا للاجتماع عنه . فالآية تدلّ على ثبوت هذا الارتكاز للعقلاء من قديم الأَيّام كما هو شأن كلّ مرتكز عقلائي . إلّا أنّ هذا الارتكاز بنفسه ليس ممّا يصحّ الاستناد إليه ما لم يقرّره ويمضه الشارع فإذا القى إلى هؤلاء العقلاء قوله تعالى
مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً
يفهمون منه إمضاء ارتكازهم ، وأنّ الشارع أيضا يجوّز قتل المفسد في الأَرض ، كما عليه ارتكازهم . فقد بان أنّ الآية المباركة تام الدلالة على جواز قتل المفسد في الأَرض ، وعلى أنّ الإفساد في الأَرض تمام موضوع لجواز قتله . واللَّه العالم . ومنها قوله تعالى
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ
« 2 » ونظيره قوله تعالى
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ
« 3 » . وتقريب الدلالة أنّه تعالى أمر المسلمين بالمقاتلة وأوجبها عليهم وجعل غايتها ونهايتها أو غاية إيجابها أن لا تكون فتنة ، فما دامت الفتنة فالقتال واجب
هامش
( 1 ) غافر : 26 . ( 2 ) الأنفال : 39 . ( 3 ) البقرة : 193 .