أنّ الشارع أيضا يمضي ما عليه ارتكازهم وأنّ قتل النفوس محرّم إلّا إذا كان من باب القصاص أو لدفع فساد المفسدين في الأَرض .
وأمّا الإيراد الثاني ؛ فالجواب عنه أنّه لا شكّ عند الأذهان العرفية أنّ مفاد المنطوق إنّما هو بيان حرمة قتل النفس وأنّه حرام ومن الكبائر وأنّ مفهومه أنّه إذا كان قتل نفس من باب الاعتداد بالمثل أو من باب دفع فسادها فلا حرمة له .
وبعبارة أخرى : إنّ التعبير المذكور في الآية لو كان في أمر تعبّديّ محض ليس له عند العقلاء أصل لكان لما ذكر من الإيراد وجه وأمّا إذا كان مورده أمرا يكون للمخاطبين فيه حكم في المستثنى منه والمستثنى - كما عرفت - وكان هذا الحكم في كليهما موافقا لما جاء في الآية مفهوما ومنطوقا فلا يبقى حينئذ شبهة في أنّ المعلّق على القيدين نفس الحرمة لا شدّتها وأنّ قتل النفس إذا كان بنفس أو بفساد في الأَرض فلا حرمة له أصلا .
فإن قلت : إنّ المذكور في الآية أنّ ما تضمّنته الآية المباركة من الحكم قد كتب على بني إسرائيل ، فهو من التشريعات المجعولة في دين اليهود ، ولا دلالة فيها على جريانه وسريانه في شريعة الإسلام أيضا .
قلت : بل لا ينبغي الشبهة في أنّ ذاك المذكور حكم عامّ لجميع الشرائع الإلهيّة فهو جار وسار في شرع الإسلام أيضا وذلك :
أمّا أوّلا ؛ فلأنّ تفريع هذا الحكم - بقوله تعالى
« مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ »
- على حكاية ابني آدم وقتل أحدهما لأخيه مع التصريح فيها - بقوله تعالى
قالَ : لَأَقْتُلَنَّكَ ؛ قالَ : إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ
- على أنّ قتل النفس مضادّ للتقوى ؛ فيه دلالة على أنّ كتابة هذا الحكم وهذا التحريم إنّما هو لرعاية التقوى ؛ فقتل النفس مناف للتقوى إلّا في الموردين ولا محالة يكون الحكم عامّا لجميع الشرائع الإلهيّة ، هذا .