أضف إلى ذلك أنّه من البعيد جدّا أن يحكم فقيه بترك مال الصغير حتى يفنى ويتلف ، وكذلك الحكم بجواز ترك المجتمع بلا أمير ، فيختل نظامهم ويفني معاشهم ومعادهم .
ومن هنا يعلم أنّه لا تنحصر الولاية في هذا القسم بالعدل ، وأنّه إذا لم يكن الوصول إلى العدل جاز تصدى الفاسق إذا كان موثوقا به في هذا الأمر ، لعين ما مرّ من الدليل .
هذا بالنسبة إلى القسم الأوّل ، وأمّا القسم الثاني فمقتضى الأصل عدم ولاية العدل فيه فلا يجوز له الاتجار بمال اليتيم تنمية له ، وما أشبه ذلك ، وأمّا مجرّد حسن الاحسان ، وكل معروف صدقة ، والمؤمنين بعضهم أولياء بعض ، وغير ذلك فالظاهر قصورها عن إثبات جواز ذلك ، لما عرفت من عدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة .
بل يشكل القيام به للفقيه أيضا ، نعم للولي الخاص كالأب والجد ذلك ، والحاصل لو فصلنا موارد المسألة بهذا التفصيل ( بين ما لا يمكن تعطيله بحكم الشرع والعقل ، وما يمكن تعطيله ) كان الحكم واضحا غاية الوضوح .
نعم قد يقال : إن بعض روايات الباب مطلقة مثل رواية « إسماعيل بن سعد » .
وقد وقع السؤال فيها عن بيع الجواري ، وهو أعم من أن يكون للضرورة أو لإصلاح المال وتنميته ، وكذلك صحيحة « إسماعيل بن بزيع » فان السؤال فيها أيضا مطلق بالنسبة إلى بيع الجواري ، ولكن يشكل الاعتماد على هذا الاطلاق مع كون الغالب السؤال عن حفظ الأموال من الفساد والتلف ، فالأحوط لولا الأقوى عدم الجواز .
ولو فرض اطلاق في مقام يشكل القول به في سائر المقامات إذا لم يكن هناك اطلاق والأصل عدم الولاية .
وقد تحصل ممّا ذكرنا أنّ ولاية عدول المؤمنين في الأمور فيما لا يرضى الشارع بتعطيلها أمر ثابت معلوم دون غيرها ، ولا نحتاج في أثبات هذا المعنى إلى دليل أزيد من كونها ممّا لا يمكن تعطيلها شرعا .
من هنا يعلم أنّه إذا لم يقدر الفقيه على تأسيس الحكومة الإسلامية إمّا لعدم خبرته بهذا الأمر ، أو لعدم مساعدة الظروف له ، أو عدم لعدم قبول الناس منه أحيانا ، فاللازم اقدام غيره ، ممن يوثق بعدالته وكفايته وتدبيره وحمايته عن الإسلام والمسلمين ويكون خبيرا بالأمور ، مقبولا عند الناس ، على تأسيس الحكومة ، فانّ ذلك أمر لا يجوز تعطيله بحال ، ولا بدّ للناس
أنوار الفقاهة ( كتاب البيع ) — صفحة 558
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٥٥٨